لم يكن اللقاء التكريمي بجمعية الثقافة والفنون بجدة بتاريخ 28/3/1441هـ أمسية عادية، بل كان احتفاء بالوطن وبقامة سعودية كان لها قصب السبق في تمكين المرأة السعودية.. وهي صاحبة السمو الملكي الأميرة لؤلؤة الفيصل.. التي وُلدت وترعرعت في بيت (الفيصل)؛ الرجل الذي ولد ملكاً فيرسله والده في رحلات سياسية إلى بريطانيا وأمريكا وهو بعمر ثلاثة عشر ربيعاً.. فأي قائد ذلك الذي تربَّى على يديه أبناؤه وبناته وهو حافظ للقرآن الكريم ومطبقٌ له كدستور لدولته ومنهج لحياتها.

لم تكن (مدرسة دار الحنان) بجدة سوى بداية انطلاقة تعليم المرأة السعودية المجاني وبالرغم من أنها وضعت كمدرسة للفتيات اليتيمات ولكن مؤسستها الملكة (عفت الثنيان) -رحمها الله- كانت لها رؤية ثاقبة في التوسع وأن يكون هناك قسم خارجي تستفيد منه فتيات الوطن.. نعم كانت تلك المدرسة هدية في يوم عيد زواجها، وما أجملها من هدية، فهل فكَّر أحدنا يوماً بأن يكون هناك هدية للوطن في يوم زواجه؟!.

حين يجتمع في الأسرة نمط القيادة الفذ من الأب ولأم حتماً ستكون الأسرة مدرسة.. وجامعة.. يتخرج منها الأبناء ليكونوا لَبَناتٍ صالحة في المجتمع.. وهكذا بدأت لؤلؤة الفيصل وإخوانها وأخواتها رحلة بناء الوطن وتأسيس مدارس أخرى في المملكة مجابهاً الملك فيصل -رحمه الله- المتشددين بكل حزم وإصرار حتى تأسست مدارس البنات في مختلف مناطق المملكة.

كما اهتمت سموها بتمكين المرأة حِرَفياً من خلال تأسيسها لجمعية فنون التراث، والجمعية الأولى بجدة وتدريب الفتيات على مهن حِرَفية متنوعة بل أقامت فصلاً جديداً للمكفوفين وآخر للمكفوفات.

لقد كان بيت الفيصل وعقيلته الملكة عفت هو المعمل الذي توضع فيه التنظيمات والشروط ، والمواصفات لعمل المرأة بل تم إعداد التصاميم وخياطة الملابس للزي المدرسي لتمكين السيدات حرفياً والإشراف عليهن.

لقد كانت مسيرة الأميرة لؤلؤة زاخرة بإنجازات داخلية وخارجية يفخر بها الوطن وقد التقت بقامات متنوعة ومنها (الشيخ عبدالرحمن عزام) مؤسس جامعة الدول العربية، بل شاركت كرئيس مشارك في العديد من المؤتمرات ومنها مؤتمر دافوس الاقتصادي الذي أقيم في شرم الشيخ حيث الحوار مع أتباع الديانات من كاثوليك وبروتستانت وهندوس.. وغيرهم.

لم تنسَ الأميرة لؤلؤة أهمية الصحة في المجتمع السعودي والمشكلة التي واجهت مستشفى الملك فيصل للأبحاث بعدم وجود ممرضات سعوديات، ورفض المجتمع السعودي لهذه الفكرة، وكشفت عن قصص طريفة وتضحيات كبيرة من سموها حيث قامت هي وإحدى بنات خالها (تركي الثنيان) بالالتحاق بكلية التمريض بجامعة الملك سعود كأول فتيات يلتحقن بها وبعد نشر الخبر التحقت الكثير من الفتيات السعوديات بكلية التمريض.

وكان هناك عرض وثائقي لسيرة سموها التي كشفت عن شخصية سعودية استثنائية، فهي عضو في مجلس أمناء مؤسسة الملك فيصل الخيرية، بالإضافة إلى مؤسسة الملك فيصل لرعاية الموهوبين. وفكرتها الأساسية هي بناء الإنسان وسبل تعزيز قدرات المواهب الإبداعية.

ومن رحم الإصرار انطلقت أيضاً (جامعة عفت) لتكون من أرقى الجامعات السعودية الخاصة التي يتم فيها دراسة احتياجات سوق العمل قبل فتح أي كلية أو تخصص فتتخرج الطالبات في تخصصات مميزة مثل: صناعة الإعلام وفروعه وإنتاج الأعمال الدرامية والأفلام.. بالإضافة إلى كافة أنواع الفنون وهي القوى الناعمة التي نجابه بها المجتمعات المتحضرة.

شكراً لجمعية الثقافة والفنون على هذا اللقاء ممثلة في مديرها الأستاذ محمد الصبيح ولمديرة اللقاء الشاعرة د. خديجة الصبان وما اختير من فقرات مميزة وفنون تدل على أن هذا الصرح ماضٍ في خطوط ثقافية جاذبة للجمهور ومحققة لأهداف الثقافة.