تَكلَّمنَا أَكثَر مِن مَرَّة عَن صِفَات المُبدعين، وكُنَّا فِي كُلِّ مَرَّة؛ نَتنَاول صِفة مَع الشَّرح لَهَا وإعطَاء الأَمثِلَة، واليَوم، جَاء دور الكَلَام عَن صِفَة، هي مِن أَبرَز صِفَات المُبدعين، وأَعنِي بِهَا التَّدفُّق..!

وإذَا أَردنَا تَعريف التَّدفُّق، فهو حَالة مِن حَالَات نِسيَان الذَّات، والانغِمَاس فِي عَملٍ؛ يَسحبك مِن كُلِّ مَا هو حَولك فِي العَالَم الخَارجي، بحَيثُ تَجعل العَمَل يَستَولي عَليك، ويَخرج عَبر تَدفُّق العَواطِف الإيجَابيَّة، المَليئَة بالطَّاقَة والحيَويَّة..!

ولَن يَأتي التَّدفُّق إلَّا للشَّخص المُبدع، الذي تَتوفَّر فِيهِ شرُوط كَثيرة، مِن أَهمّها: وضُوح الأَهدَاف، فالمُتدفّق يَعرف مَاذَا يَعمل، وإلَى أَين سيَذهب، فهو يُحقِّق الأَهدَاف، ولَديه القُدرَة عَلَى قِيَاس التَّقدُّم نَحوهَا، كَمَا أنَّه يَملك التَّركيز والوَعي نَحو تَحقيق الهَدَف. ومِن جِهةٍ أُخرَى، فإنَّ المُتدفّق لَديه القُدرَة؛ عَلَى التَّوفيق بَين التَّحدِّي الذي يُواجهه، ومُستويَات المَهَارَة التي يَملكهَا..!

أمَّا الوَقت -فِي ذِهن المُتدفّق- فهو لَا يَشعر بِهِ، لأنَّ الانهِمَاك بالعَمَل، جَعلَه يَنسَى عَقَارب السَّاعَة، وثَواني الوَقت..!

والفَشَل -فِي نَظر المُتدفّق- لَيس عَلَامة نَدَم وحَسرَة، وإنَّما هو دَرس مَجَّاني، للاستِفَادَة والتَّعلُّم مِنه، مِن خِلَال التَّركيز عَلَى اللَّحظَة الحَاليَة، والعبَارَات الإيجَابيَّة، واعتبَار الخَطَأ إحدَى البَوَّابَات الكَبيرَة للنَّجَاح..!

حَسنًا.. مَاذَا بَقَي؟!

بَقي القَول: لقَد دَرس عَالِم النَّفس «ميهاي شيكسنت ميهالي» ظَاهرة التَّدفُّق، ووَصَل إلَى أَنَّها تَحتَاج إلَى مُتطلّبات، ذَكر مِنهَا: حُبّ العَمَل الذي ستُقْدِم عَليه، والشّعُور بالبَهجَة العَارِمَة والحَمَاسَة المتَّقِدَة، وتَركيز الانتبَاه الحَاد؛ عَلَى العَمَل الجَاري أَثنَاء القِيَام بِهِ، بمَعنَى التَّركيز عَلَى اللَّحظَة الحَاليَة، ولَيسَ عَلَى المَاضي «الأَخطَاء»، أَو المُستقبَل «المَكَاسِب»..!!