إذا افتقد الموظف للأمانة التي أوكلت إليه في أمرٍ من الأمور العامة، فإن نفس ذلك الموظف تصبح من فئة النفس الأمَّارة بالسوء، تُوجّهه نحو الممارسات المخالفة فيما أوكل إليه، وهنا يصبح ذلك الموظف مسيّراً لهوى ورغبات تلك النفس، التي أصبحت تحت أمر إبليس وأعوانه، يُخطِّطون له، ويُوهمونه بمسارب لم تكن تخطر على باله، ولعلِّي هنا أستشهد ببعض الممارسات التي يقوم بها بعض موظفي الأمانات والبلديات التابعة لها، فتلك الممارسات ذات ألوان متعددة وأساليب ملتفة، يبدو في ظاهرها «العمل المحمود»، لكن باطنها يغشاه التزييف والتضليل، فعلى سبيل المثال لا الحصر، ننتقي بعض الأمثلة لممارسات تقع تحت مظلة مُسمَّى الأمانة، لكنها مجرد اسم لا يمت للواقع بأي صلة فنقول:

إن عمليات التكسير التي يقوم به بعض موظفي الأمانة لبعض الأرصفة، وتكرار تكسيرها كل عام، إن لم يكن أكثر، بحجة رفع مستوى الرصيف أحياناً، وحفظه أحياناً أخرى، وزرع جزيرته أحياناً، وتغيير زرعه أحياناً أخرى، كل هذا أراه تجاوزاً وتقصيراً بيِّناً يستوجب المحاسبة عليه، حيث كان الأحرى بالقائمين على ذلك، اختيار أفضل وأنسب وأمتن المواصفات، وتطبيقها على كل شوارع المدينة، فنراها تُعمَّر قروناً من الزمن، كما هو الحال في دول العالم الأول التي تبرز فيها (الأمانة) بوجهها الحقيقي دون مُسمّيات مزيفة.

وهكذا الحال ينطبق على سفلتة بعض الشوارع، التي نراها تتكرر بصورة لافتة، ثم نراها لا تلبث أن تُحفَر من قِبَل شركات المياه والصرف، والكهرباء والاتصالات... وغيرها، ثم نرى العبث البيِّن في تلك الشوارع، بحجة الإصلاح الذي يسري في جوانبه التقصير، كما هو حال بعض الأرصفة، وكان الأحرى أن تُخصَّص مسارات تحت الأرض لجميع الخدمات، ويتم سفلتة الشوارع بأفضل المواصفات، حتى لا تذوب مستقبلاً بمرور غشقة مطر.

ومثل ذلك، بعض أعمدة الإنارة التي نراها تتبدَّل مرَّات ومرَّات، بحجة ظاهرها الإصلاح وداخلها صرف المال العام دون وجه حق، وكم هي الأمثلة كثيرة في مجالاتٍ أخرى، لا تكفي هذه المساحة لذكرها، لكننا نضعها أمانة في أعناق الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، لتضعها في الحسبان، وعلى الجهات ذات العلاقة بالخطط الوطنية أن تضع ذلك في حسبانها أيضاً عند وضع خططها البعيدة والمتوسطة والقريبة.

والله من وراء القصد.