كنت أعتقد أنني طويت صفحة أو حقبة من مشواري الصحفي ولن أعود إليها لأسباب أكثر من أن تعد.. والحق أنني ظللت أغمض عيني عن أحداث كثيرة بعضها ذو حساسية خاصة أو عامة، وبعضها الآخر ليس بهذه الدرجة من الحساسية؛ لكنني آثرت الصمت من باب سد الريح!.

لقد كان الحل المثالي لمثل حالتي هو الانشغال أو الانهماك قدر المستطاع في القيام بدوري الفني المهني كمسؤول تحرير تنفيذي يهتم بإعداد أو استلام أو اعتماد الصفحات بحيث أنسى تماماً العمل الميداني والتوجه الى المناطق الساخنة ومن ثم الابتعاد عن الأحداث الدامية خاصة تلك المتعلقة بالأقليات المسلمة..

اكتشفت أخيراً أن الأحداث الدامية هي التي تجري ورائي!، وأن السكوت عنها يعني موات النفس الصحفية اللوامة!.

من ذلك ما حدث قبل نحو شهر حين حكمت محكمة هندية بإقامة معبد هندوسي مكان المسجد البابري في ولاية أوتربراديش الهندية..

هنا لم يكن يليق السكوت حيث كنت شاهداً على تجارب هدم المسجد وسافرت الهند ثلاث مرات خصيصاً من أجل الانتصار للأقلية المسلمة.

وبالأمس فقط وجدت خبراً آخر يبحث عني ويعيدني لأوائل التسعينيات حين ذهبت لولاية أسام لأغطي ميدانياً تبعات إبادة نحو ٢٠٠ ألف مسلم!

وكتبت حينها أحذر من تهجير نحو ثلاثة ملايين مسلم!، وقلت بالحرف الواحد إنني استخدمت كل مصطلحات القتل والإرهاب والترويع والحرق والتدمير والقهر والاغتصاب والتشريد والترميل.. وبقي التحذير من حملة إبادة قادمة!.

في هذا الزمن الأغبر لم تكن وسائل الاتصال الحديثة قد بدأت أو انتشرت على النحو الذي نراه الآن ومن ثم فقد تعرض المسلمون الذين يقطنون المناطق الريفية من الولاية لكل أشكال الاضطهاد رغم نجاحهم في تحويل الأراضي الزراعية هناك الى جنة بكل ما تحمله الكلمة من خصوبة وخضرة وخيرات يأكل منه الآكلون.

ولأن ذلك كذلك وبدلاً من دعم وتشجيع الحكومات المتوالية لهؤلاء المزارعين المهرة، توالت حملات الاضطهاد تغذيها أصوات الحقد والعنصرية..

مع ذلك صمد أبناء الأقلية المسلمة وقاوموا كل محاولات التشريد طوال السنوات الماضية، حتى جاء القرار الماكر أمس بمنح غير المسلمين القادمين من الدول المجاورة للهند الجنسية وتوطينهم في تلك المنطقة بالذات!.

عندها ثار أحفاد من استُشهدوا أو قُتلوا دفاعاً عن أرضهم وعقيدتهم وخرجوا للتظاهر في شوارع غواهاتي تلك المنطقة القديمة وأكبر مدينة في ولاية أسام وأكبر تجمع حضري في شمال شرق الهند، وواحدة من أسرع المدن نموًا في الهند.

لقد اكتشفت كذلك أن غواهاتي باتت مركزًا تجاريًا وتعليميًا رئيسيًا في شمال شرق الهند وموطنًا للمعاهد العالمية مثل معهد غواهاتي للتكنولوجيا ومعاهد أخرى رائدة في تكنولوجيا المعلومات.

تحية للثائرين من أجل الحق في أسام وكشمير، وبورما بمناسبة ما يجري للمسلمين في غواهاتي، وتحية للمقدسيين وللقدس بمناسبة الحديث عن الحق.