​تناولت الصحف المحلية خلال الأيام الماضية أخباراً عن اكتشافات متواصلة لمواقع أثرية في عدد من مناطق المملكة المختلفة، منها ما كان في محافظة أحد رفيدة بمنطقة عسير، التي عثر فيها على كمية كبيرة من القطع الأثرية المتنوعة التي تعود إلى آلاف السنين، والتعرف على أساسات مسجدين، أحدهما يعود إلى فترة العهد العباسي، واكتشاف أجزاء كبيرة من حصن جرش الأثري، تتشابه مع موقع الأخدود بنجران في ضخامة الجدران وأسلوب البناء، ورسومات أثرية ترمز إلى النماء والقوة. وفي حائل تم كذلك العثور على موقع أثري يعود إلى الألف الأول قبل الميلاد، يضم عدداً كبيراً من النقوش الكتابية المتنوعة، والرسومات الصخرية لأشكال حيوانية من خيول وجمال.​

هذه الاكتشافات تمت نتيجة لجهد علمي وتخطيط دقيق، ضمن 44 مشروعاً لأعمال التنقيب الأثري يجري تنفيذها في عدد من مناطق المملكة، من خلال بعثات سعودية دولية مشتركة تشرف عليها وتدعمها الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني، وكل ذلك على هدي رؤية المملكة 2030 التي أولت اهتماماً كبيراً بقضية الآثار والمواقع التاريخية في المملكة، ووضعت تصوراً متكاملاً لكيفية استغلالها وتسخيرها بالشكل الذي يجعل منها مورداً اقتصادياً هاماً يسهم في تقليل الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للدخل.​

وتمتاز منطقة نجران بوجود آثار فريدة مثل موقع الأخدود الذي ورد ذكره في القرآن الكريم، وزيارة سريعة لذلك الموقع تضع الزائر أمام تجربة فريدة، فبقايا العظام وآثار الحريق الرهيب الذي تعرض له مسيحيو نجران تشعر الإنسان بأنه عاد آلاف السنين إلى الوراء، فتلك الآثار تكاد تنبض بالحياة. لذلك فإن تفعيل الاستفادة من مثل هذا الموقع يمكن أن يعود بفوائد ضخمة على تنمية كافة المناطق، إضافة إلى تعريف العالم بما تذخر به بلادنا من تاريخ عريق، وما اضطلعت به المملكة على مدار التاريخ الإنساني، وإسهامها في مجال الحضارة الإنسانية.​

وقد عانى قطاع الآثار خلال العقود الماضية من تجاهل كبير، وتعرضت كثير من المواقع لإهمال متعمد، بسبب قصور في رؤية البعض وسوء تقدير لحقيقة الأمور، رغم أن كثيراً من العلماء الأجلاء أوضحوا صراحة أن العناية بتلك المواقع واستغلالها لا يتعارض مع الإسلام الذي يدعو في كثير من المواقع إلى السير في الأرض والتدبر في سيرة الأسلاف وأخذ العبرة والعظة من حياتهم وتجاربهم، حتى سخر الله لهذه البلاد قيادة تعرف لغة العصر، وتجيد استغلال إمكانات البلاد لما فيه مصلحة أبنائها.​

وقد نال القطاع السياحي أهمية بارزة في رؤية المملكة 2030، وظل حاضراً بقوة في المحاور الثلاثة التي أقرتها الرؤية، وهي المجتمع الحيوي، والاقتصاد المزدهر، والوطن الطموح، وذلك لما يمثله من أهمية بالغة في تطوير العلوم والمعارف، وتعزيز الوحدة الوطنية، وترسيخ القيم العربية والإسلامية، والحفاظ على الهوية. لذلك لا بد من الاهتمام بتأهيل كافة المواقع السياحية، والسعي لتسجيلها على لائحة التراث الإنساني، وفتحها أمام الزوار، وتسهيل وصول الآخرين إليها. فالسياحة لم تعد مجرد مجال اقتصادي يسهم في زيادة الدخل، بل هو نشاط متكامل نستطيع عبره إنجاز ما لا يمكن تحقيقه بالمال.