قبل ما يزيد عن عشرين عاماً، كتبت في هذه الصحيفة الغراء عن مفارقة عجيبة، حين توفي العالم الكبير والمفسر الجليل إمام (الدعاة) كما يسمى فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي، وتحديداً في 17 يونيو 1998م. حينها لم تكن الفضائيات قد انتشرت، وكنا نتابع الصحف والإذاعات بالدرجة الأولى وسمعت خبر وفاته رحمه الله الذي بثته بعض المحطات عرضاً دون أن تتحدث عن تأريخه العلمي التليد، ونتاجه الفكري الخالد، واكتفت تلك المحطات بالقول: توفي اليوم الشيخ محمد متولي الشعراوي... إلخ، وفي تلك الفترة تحديداً ترددت إشاعات عدة تقول: إن (وحش الشاشة) -كما يُسمَّى، وهو الممثل المصري الراحل فريد شوقي-، قد توفي، وعليه ساقت المحطات نفسها سلسلة من التقارير الموسعة والمقابلات والتحقيقات مع فنانين وأقرباء للنجم الكبير، وأكدوا جميعاً أنه ما يزال حياً يرزق، وعليه فقد (زفّت) الإذاعات بشرى للعالم العربي كله بأن (وحش الشاشة) لم يمت، وأعقب ذلك مباشرة بث نبأ وفاة الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله، الذي لم يُصحب بأي تقارير عن منجزاته ومؤلفاته وتأريخه الطويل في خدمة القرآن والدعوة إلى الله، حتى لو كانت تقارير مختصرة للغاية.. وهنا تأتي المفارقة التي ازدادت حدة حين مات فريد شوقي في 27 يوليو 1998م، أي بعد الشعراوي بشهر واحد تماماً، فانهالت التعازي، وازدحمت المحطات بالتقارير التي تتحدث عن تأريخه الفني وأفلامه ومسرحياته، واستمر ذلك لأسابيع، فبيَّنتُ وقتها أن من يشغل الناس هم الممثلون ونجوم السينما والرياضة، وأن العلماء والمفكرين والمبدعين ما عاد يعبأ بهم أحد، ولا يكترث لموتهم إلا أقرانهم. ويبدو أن التأريخ يعيد نفسه، وما أشبه الليلة بالبارحة، فقد توفي قبل أسابيع المغني الشعبي المصري شعبان عبدالرحيم الذي كانت له جماهير كبيرة في العالم العربي لتوافق أدائه مع التسطيح الفكري والثقافي والفني الذي يعيشه العرب منذ عقود، ونحن لا نملك إلا أن نترحم عليه، وكما هو متوقع غصت الفضائيات والمواقع بالأخبار والتحقيقات واللقاءات والمقابلات حول شعبان وفنه ولونه المحبب.

وقد تزامن موت شعبان مع رحيل عدد من العلماء الكبار في عالمنا العربي وفي المملكة، وأسألُ القراء جميعاً إن كانوا سمعوا عن واحد منهم؟، فقد توفي في الفترة نفسها العالم المصري الكبير حلمي محمد نصر، مؤسس قسم اللغة العربية المعروف بجامعة ساوباولو بالبرازيل ومترجم معاني القرآن الكريم للغة البرتغالية التي طُبعت بمجمع الملك فهد، وكان رحمه الله قد غادر البرازيل نهائياً عام 2015م بعد أن أمضى فيها 53 عاماً كاملة في خدمة القرآن الكريم ولغته، وترك رحمه الله العديد من الأعمال الأكاديمية والعلمية كثير منها مترجم من البرتغالية وإليها. كما توفي في الفترة نفسها المترجم الفلسطيني صالح علماني الذي يطلق عليه لقب (عرَّاب الأدب اللاتيني)، وهو المترجم الأبرز للأدب الأمريكي اللاتيني إلى العربية، ومن أبرز ما ترجم أعمال جابرييل جارسيا ماركيز، وإيزابيل الليندي، وهوزيه ساراماغو، وإدوارد غاليانو، وكانت أول رواية ترجمها: «ليس للكولونيل من يكاتبه» لماركيز، وقد مُنح الإقامة الدائمة في إسبانيا، كما حصل على جائزة (جيراردي كريمونا) للترجمة عام 2015م. كما فقدت الساحة الأدبية السعودية في الفترة ذاتها رائداً أدبياً وصحفياً كبيراً هو الأستاذ عبدالفتاح أبو مدين الذي كان رئيساً لنادي جدة الأدبي، وهو من أصدر جريدة (الأضواء) وكُرِّم في مؤتمر الأدباء السعوديين الثالث عام 2009م، وحصل على وسام الملك عبدالعزيز عام 2018م، ومن مؤلفاته: (أمواج وأشباح) و(في معترك الحياة)، و(تلك الأيام)، و(الصخر والأظافر)، وسواها.. وهؤلاء بعض من فقدهم العالم في الفترة التي توفي فيها شعبان عبدالرحيم، ولم يلقوا شيئاً من الزخم الإعلامي الذي لقيه المغني الشعبي الراحل، لتبقى المفارقة ذاتها وتزداد فداحة، ويزداد الجمهور تعلقاً بالمغنين والمغنيات، وإعراضاً عن العلماء والأدباء والمفكرين.