عرفت المملكة منذ توحيدها على يد الملك المؤسس المغفور له -بإذن الله- عبدالعزيز بن عبد الرحمن آل سعود، بتمسكها بكتاب الله وسنة نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام دستوراً ونظاماً للحكم، فقد استصحبت طوال تاريخها عاداتها وتقاليدها الراسخة المستمدة من عمقها العربي الأصيل ومكانتها الإسلامية، لذلك لم يكن من المستغرب أن تحرص القيادة السعودية على صيانة مبادئ الذوق العام، والتصدي لبعض التصرفات التي تتنافى مع تلك الطبائع والقيم، وهذا التصدي لم يتخذ فقط جانب الإجراءات النظامية أو الأمنية، بل حرصت الجهات المعنية على تنوير الناشئة والشباب بمكانة بلادهم المتفردة التي اختصها بها الله سبحانه وتعالى عندما جعلها أرضاً لرسالة الإسلام، ومهبطاً للوحي، وحاضنة للحرمين الشريفين.

المتابع للشارع المحلي منذ إقرار لائحة الذوق العام يشهد تغيراً كبيراً نحو الأفضل، فرغم الفعاليات الثقافية والفنية الكثيرة التي تشهدها بلادنا خلال الفترة الحالية، ودخول مئات الآلاف من الزوار، وتعدد جوانب الترفيه ما بين فنية ورياضية وسياحية، إلا أنه لم تسجل سوى حالات فردية قليلة من التجاوزات، وهذا وارد بطبيعة الحال، فلابد من وجود المتفلتين والمتجاوزين، وهؤلاء تصدت لهم السلطات الأمنية وأحالت من تعمدوا التعدي على الضوابط والأنظمة للجهات المعنية، ليجدوا الجزاء الرادع الذي يستحقونه.

وللذين اختلطت في أذهانهم مفاهيم الحرية الشخصية وتصوروا أنها تعني عدم الاهتمام بمشاعر الآخرين، نقول إن ارتداء قلة من الشباب لملابس قد تخدش حياء المارة ليس من الحرية في شيء، ورفع أصوات الموسيقى من بعض السيارات يسبب الأذى للآخرين، وحقوق الإنسان هي جزء من حقوق المجتمع، وأن هناك نقطة تنتهي فيها الحرية الشخصية لتبدأ الحريات العامة.

انخفاض قلة التجاوزات في الشارع يؤكد حقيقة واضحة، هي أن هذا المجتمع لم يعرف انتشاراً للسلوكيات الخاطئة، ويمتاز بتغلغل الخصال الحميدة وسط أفراده، وهو من أكثر المجتمعات العربية انضباطاً وتقيداً بالذوق العام. أما النسبة القليلة من المتجاوزين فهم بدون شك من فئة الشباب الذين لم تستطع نفوس بعضهم أن تستوعب أجواء الانفتاح التي يعيشها العالم قاطبة بسبب ثورة التقنية، فتأثروا بها سلباً ووقعوا في المحظور. حتى هؤلاء لا ينبغي الحكم بفسادهم أو انحرافهم أو التشدد في معاقبتهم، بل إن الواجب مناصحتهم وإرشادهم فهم في الآخر شباب يدفعهم الحماس.

إقرار لائحة الذوق العام وتطبيقها في هذه الفترة يأتي في توقيت دقيق تشهد فيه السعودية انفتاحاً على العالم الخارجي، وتزايداً ملحوظاً في أعداد السياح والزوار، إضافة إلى توجه الدولة لمضاعفة أعداد المعتمرين والحجاج. ومع دخول هذه الأعداد الضخمة لبلادنا كان لا بد من التشديد على ضمان عدم تفشي ظواهر غير صحية تعطي صورة سالبة قد تنطبع في أذهان الآخرين، إضافة إلى أن الحرص على مساعدة أولئك الزائرين وإكرامهم ومد يد العون لهم وتقديم الخدمة التي قد تلزمهم لا يعني بأي حال من الأحوال السماح لهم بارتكاب ما يتنافى مع مكارم الأخلاق والآداب العامة.

رسالة المملكة واضحة ولا تحتاج إلى عناء لتفسيرها وتأويلها، وهي أنها ماضية بعزم وإصرار في طريقها لتحديث مجتمعها وتطوير واقع أبنائه، واستصحاب ما يتوافق مع تلك الأهداف من مبادئ وقيم وأخلاق، ولكنها في ذات الوقت حريصة على نسيجها الاجتماعي المتين، ومتمسكة بتراثها وخصوصيتها ومكانتها كدولة قائدة عربياً وإسلامياً، ولا تريد الانفكاك من تقاليدها العريقة والمبادئ الراسخة التي قامت عليها، ولن تستجيب لمحاولات الغزو الثقافي والاستلاب الفكري الذي يدفعها للذوبان في ثقافات الآخرين.