يعتقد كثير من المواطنين أن التأمين الصحي يوفر للمرضى علاجاً أفضل من المستشفيات والمستوصفات الحكومية التابعة لوزارة الصحة، لأنه يتيح الفرصة للمريض للتداوي في المستشفيات الخاصة التي يظن كثير من الناس أنها تقدم خدمات طبية أفضل من المستشفيات الحكومية. لذا يشتري المرضى وثائق تأمين تُوائم قدراتهم المالية، أملاً في أن تغطي لهم تكاليف علاجهم، إضافة إلى ما توفره بعض المؤسسات من تأمين لموظفيها وعائلاتهم، وقد تبدو الصورة وردية جداً لمن ينظر إليها من خارج عالَم التأمين الصحي ومَن يحلمون بأن يكون لهم تأمين يتيح لهم التداوي في مختلف المستشفيات الخاصة، ولكن الصورة غالباً ما تكون قاتمة ومظلمة لمن يستخدمون التأمين فعلاً في حالات كثيرة، وذلك لأن الحصول على موافقة التأمين على تغطية نفقات إجراء طبي ما: دونه خرط القتاد كما يُقال. والحديث هنا ليس عن التأمين العادي، بل عن التأمين الذي «يُبوّب» على أنه «ذهبي»، بمعنى أنه يغطي كبريات المستشفيات كما يغطي كل ما يحتاجه المريض من علاج وأدوية وأشعات وعمليات. وقد تكون زيارات الأطباء مغطاة في معظم الأحيان، ولكن الأدوية قد يُغطى بعضها ولا يُغطى بعضها الآخر. وتبين لبعض المرضى أن الموافقة أو عدمها في صرف الدواء ليس لها أسس واضحة، بل تأتي كيفما اتفق، واستدل على ذلك بأنه وزوجته يعانيان من الأمراض نفسها بين: سكري وضغط وكوليسترول وبنسب متشابهة، وحين يصف لهما الطبيب وصفات متطابقة تماماً ويذهبان ليصرفاها يكتشفان أن وصفة الزوج لا يوافق على بعض أدوية منها، ووصفة الزوجة لا يوافق على أدوية أخرى مختلفة مع تشابه الحالتين، ما يعني أن (شطب) بعض الأدوية يكون على غير هدىً. وإن كانت الأدوية مقدوراً عليها نسبياً، فإن كثيراً من الأشعات والعمليات يكون فوق قدرة المريض، وغالباً ما تُرفض، ولا يُوافَق عليها، ويُطلب من المريض إرفاق التفاصيل، فيرفقها ثم تُطلب تفاصيل أخرى عن طريق تقارير طبية إضافية، وهكذا إلى ما لا نهاية، حتى يفوت موعد العملية أو الأشعة، أو يملّ المريض من كثرة الاتصال دون فائدة، حتى تهيَّأ لبعض المرضى أن الأصل لدى هذه الشركات هو: عدم الموافقة على أي طلب يتعدى زيارة الطبيب، والموافقة عارضة عليه، وما لم يصرّ المريض ويتابع مع شركة التأمين بالاتصال والإلحاح لعشرات المرات، فإن الموافقة لن تصل أبداً، وهي على كل حال قد لا تصل مهما حاول المريض وسعى. كما يتهيَّأ لكثير من المرضى أن موظفي شركة التأمين ينظرون أولاً إلى تكاليف الإجراء الطبي قبل أن ينظروا إلى حالة المريض واحتياجه، ويحاولون قصارى جهدهم أن يجدوا أي ثغرة أو حجة مهما كانت واهية لرفض تغطية التأمين للإجراء الطبي المطلوب، ولا يكون أمام المريض إلا أن يتحمل التكاليف وإن لم يستطع أن يستغني عن الإجراء المطلوب مهما أثر ذلك على صحته. كما ذكر لي بعض المرضى أنهم أدركوا يقيناً أن كثيراً من الأطباء الذين يعملون في شركات التأمين قليلو الخبرة، وقد يُخطئون قراءة تقرير ما، ولا يفهمون التشخيص جيداً ويطلبون تفاصيل ليس لها علاقة بالحالة بتاتاً، ومن أمثلة ذلك خلطهم بين «الخشونة» وبين «الانحراف» في بعض المفاصل، والمصطلحان متقاربان بالإنجليزية، وفوجئ الطبيب المعالج حين طلبت شركة التأمين منه تحديد درجة «الانحراف» مع عدم وجود الانحراف أصلاً، ومن واقع التجارب تبين أن معظم أطباء هذه الشركات هم من جنسية عربية معروفة، اتسم أصحابها مؤخراً ومؤخراً فقط بضعف التأهيل وقلة الخبرة.

وعليه أناشد وزارة الصحة، باسم كثير من المرضى المؤمَّن عليهم، أن تُشدِّد الرقابة على شركات التأمين الصحي، كي لا تُتاجر بآلام المرضى وأدوائهم ومعاناتهم.. وأن تُغيِّر سياساتها لتصبح: الأصل هو الموافقة.