نجوى قاسم.. التي ودعتنا الأسبوع الماضي إلى مثواها قامة إعلامية عربية، يندر وجود مثلها، وفاتها كانت الحقيقة فاجعة وخسارة ليس لقناة العربية (الحدث) فقط، بل ولجمهورها ومتابعيها الكثر، ولأمثالي من الكتاب الذين يزاولون الكتابة في المواضيع السياسية، كانت أشبه بمحرك (جوجل) -إن صح التعبير- على الأقل بالنسبة لي للحصول على معلومات قيمة، استفيد من حواراتها السياسية وهي تتناول الأحداث الجارية في عالمنا العربي وغيره، وتتميز (نجوى) عن غيرها بحسن اختيارها لضيوفها الذين تدرك بحسها الصحافي المتقد بأنهم واسعوا الاطلاع بالقضية موضوع النقاش بعناية شديدة، ونستطيع أن نقول عنها بأنها كانت موسوعة سياسية، تختزن الكثير من المعلومات، خصوصًا المتعلقة بمواضيع الشرق الأوسط، ففي حلقة واحدة لديها الإمكانية بأن تحلق بنا في أجواء الأحداث في كل من اليمن وسوريا وليبيا والعراق ولبنان، تحاور ضيوفها وكأنها تعيش الحدث، وكأي مذيع إخباري يحاور رجال السياسة أو المحللين السياسيين تدرك بأن دورها هو الحصول على رأي، لكنها قد تعمد أحيانًا -في حدود الأدب- الى استفزاز الضيف للحصول منه على رأي او انتزاع حقيقة.

(نجوى) في ظهورها وطرحها مزيح من أساطين المحاورة، تذكرني بـ(كيت أولبرمان) المذيع الأمريكي ذائع الصيت، الذي كان يقدم برنامج (العد التنازلي)، وبـ(نورا أودونيل) مذيعة (GPS) مقدمة البرنامج الحواري ستين دقيقة، وكذلك بالمحاور الأشهر (سكوت بيلي) في (GPS) بالنظر لأنه كانت لديها القدرة على انتزاع ما يحاول ضيوفها إخفاءه حول ما يدور خلف الكواليس.

كنت اتمنى أن لو طال بها العمر لتكون في مكانة المذيعة الكورية (ري شون هي) كبيرة المذيعين التي تم تكريمها بعد أن كبرت باستدعائها للمهمات الإخبارية المهمة والطارئة.. وكنت أتمنى لو أن وداعها للميكرفون ولزملائها كان شبيهًا لوداع المذيعة الفرنسية في (TFI) (كريل شارال) في نشرة الأخبار الأخيرة لها التي التفتت قائلة (لقد نسجنا سويًا رابطًا قويًا جدًا وثمينًا للغاية بالنسبة لي) وللحقيقة فإن ذلك الرابط القوي ظهر على محاجر أعين زملائها وزميلاتها الذين لم يكن بمقدورهم السيطرة على تلك العبرات التي انهمرت بدون سابق إنذار، وعلى تلك الزميلة التي انفجرت بالبكاء وهي على الهواء..

رحمك الله يا نجوى.. لن اقول أكثر من ما قاله عنها رئيس وزراء لبنان الأسبق (فؤاد السنيورة) بأن (نجوى كانت إعلامية مسيسة للعظم).