مبدأ نفسي يقول لنا إن المثير عندما لا يجد استجابة فإنه ينطفىء. المملكة، في السنوات الأخيرة، واجهت موجة عنيفة من المثيرات لم تستجب لها بل تعاملت معها بحكمة فانطفت، وحافظت بذلك على الوطن من الانزلاق في المهاترات والمحن والفوضى والحروب التي يبحث عنها المتربصون بها لجرجرتها لهدر ميزانيتها في تكتلات حروب وفتن، وعوضاً عن ذلك دخلت في تكتلات مصالح مع دول الغرب والشرق جعلتها تكون من بين مجموعة العشرين الاقتصادية من خلال تركيزها على تنمية البلد بيد تبني واليد الأخرى تدافع. المملكة أثبتت قدرتها وجدارتها على إدارة الأزمات التي تتعرض لها مما جعلها بمنأى عن الكوارث الصناعية التي يصنعها الإنسان. محاور الشر والمحن من إيران وقطر وتركيا وجماعة الإخوان الإرهابية وغيرها تعاملت معها المملكة بكل هدوء وبحكمة، وأغاظت بذلك من دفعهم لتلك التكتلات. المملكة لا تستخدم الحرب النفسية في تعاملها مع تكتلات الشر من خلال التهديد والوعيد والويل والثبور، ولا تنطلي عليها الحرب النفسية من خلال الأبواق الإعلامية الممنهجة من أجل سحبها للوقوع في مستنقع الحروب التي نهايتها معروفة وهي زعزعة أمنها واستقرارها. المملكة بحكمة قادتها وبرجالها أثبتت يوماً بعد يوم أن لديها القدرة على إدارة الأزمات، وأن العبث مع دولة بحجم المملكة اقتصادياً وسياسياً وغيرها هو ضرب من الجنون. الحكم الرشيد، ياسادة، ليس ببعثرة أموال الوطن في تكتلات ومحاور شر هنا وهناك، والدخول في لعب سياسية قذرة نهايتها وبال كارثي على المجتمع، وعلى أمن واقتصاد البلد، فلا يمكن أن يكون هناك اقتصاد قوي في ظل غياب الأمن والاستقرار، ولا يمكن أن يكون هناك أمن مستتب ومستقر في ظل غياب اقتصاد قوي. هذه هي المعادلة التي لا تفهمها إيران ولا تركيا ولا قطر في جر بلدانهم إلى الهاوية.

إبراز العضلات والقوة ليس بالتدخلات في بلدان ذات سيادة طمعاً في ثرواتها بل العضلات والقوة هي بالحكمة والحنكة السياسية والاقتصاد القوي والأمن المستتب داخل البلد. القاسم المشترك بين أردوغان وخامنئي هو الغباء بعينه من خلال لعبة مكشوفة اسمها «ترحيل الأزمات الداخلية» مع شعوبهم ووضعها في قالب التدخلات في بلدان أخرى لتشتيت الانتباه عن أزمات بلديهما بدلاً من معالجتها، وجعل شعوبهم تنشغل في تلك الأزمات الخارجية وتلتف حولهما وهو نوع من التخدير لا يدوم؟!، هذه اللعبة المكشوفة غير مجدية في عصر إعلام حر منفلت لا ضابط له اسمه وسائل التواصل الاجتماعي التي تعري بالثانية وليس بالدقيقة كل تلك الحيل المكشوفة والانقلابات المزعومة. الموت لأمريكا وأنها الشيطان الأكبر لا تؤكل عيشاً في هذه الألفية. إدارة الأزمات وكيفية التعامل معها ومعالجتها تفوقت فيه المملكة وبنجاح ساحق. وهناك مثل شعبي جميل يقول (أعطِ الخبز خبازه ولو أكل نصفه) وهو أفضل بكثير من فتات الخبز المتبقي الذي لا يسمن ولا يغني من جوع. المملكة نجحت بإدارتها للأزمات من خلال المصالح المشتركة مع الغرب والشرق وليس بالعنتريات والتنمر والتحدي وتكتلات شر لا تجلب إلا الويلات والمحن لتلك الدول. فالتنمية المستدامة لأي بلد ليست بمحافظة الحاكم على كرسيه ومصالحه بل بالمحافظة على مصالح المجتمع العليا.

قلت في مقالات سابقة إن أردوغان ينهج النهج نفسه لحكام إيران الذين اكتشفنا بعد ذلك أن الهالك قاسم سليماني هو من كان بالفعل يدير إيران وليس أصحاب العمائم من الآيات والملالي، وبقتله انتهت إمبراطورية فارس في العراق وسوريا ولبنان واليمن، فهل يتعظ السيد أردوغان وينأى ببلده تركيا عن المزالق التي لا تحمد عقباها؟.