باستثناء أسماء الشوارع والميادين، لم أجد نفسي أبداً في قصة الأديب الراحل الدكتور يوسف إدريس فيينا 60!، فلم أذهب الى هناك بحثاً عن هذه الأشياء التي كان يبحث عنها بطل القصة، ولم أشغل نفسي بالنظر في وجوه العابرات أو حتى البائعات النمساويات! كان جمالاً آخر قد غمرني فور أن غادرت سالسبورج متجهاً الى فيينا، حيث ينتظرني بيتهوفن وموزارت وشتراوس وهايدن، وحيث بيوت الموسيقى وغابات الجمال، ومتاحف الفنون!.

كان حسين بطل فيينا 60 يجول في الشوارع والميادين في سباق مع الزمن حتى يحظى بفتاة أحلامه النمساوية، وكنت بالفعل أعد الساعات مخافة أن يفوتني مَعْلم واحد من معالم الفن والجمال! والحق أن ذلك لم يكن زهداً أو نحو ذلك، بقدر ما كان هوساً وشغفاً بالجمال الحقيقي في أرض الموسيقى العالمية، إنه الجمال الذي يجبرك على احترامه والانشغال به، وتأمله والكتابة عنه!.

كان الرجل يمرق بين الشوارع ويقفز في الباصات وعربات القطار لملاحقة تلك النمساوية التي سألها عن التوقيت رغم أنه يمتلك ساعة! وعن سعر تذكرة الباص رغم أنه اشتراها ودفع ثمنها!، وكنت أغادر ميدان «هيلدن بلاتز» متوجهاً لقصر الشونبرون حيث معرض بيتهوفن الذي يحكي جوانب مهمة في سيرته المثيرة.

جلست مع الجالسين من السياح في منزل بيتهوفن المجاور لغابة فيينا والذي انتهي فيه من تأليف سيمفونيته العالمية الفذة «البطولية» حيث أهداها الى نابليون بونابرت، وأنا أتخيل وجه أبي زيد الهلالي الذي تغنى بهما ولهما الشاعر الشعبي فتحي سليمان. كان الدليل المترجم يشرح سيمفونية بيتهوفن، وكيف سحب إهداءه لها من نابليون حين تخلى عن كلامه وتعهداته، وكنت أردد أنشودة الشاعر فتحي: كانوا عرب عربة.. أصحاب الرصيد والحربة.. إذا قالوا صدقـوا، وإذا حاربوا غنموا!

حل المساء بنا في «بيت موزارت»، وأنا أجلس محملقاً في مقتنيات المتحف الخاص برواد مدرسة فيينا الأولى، وكان حارس المتحف يشير للمترجم بضرورة المغادرة.

اقتربت من فندق الإقامة، فاذا بحلقة كبيرة في ميدان فسيح سرعان ما وقف وسطها مطرب أو منشد شعبي، راح يدندن بكلمات فهمت من حركات وتأوهات المعجبين والمعجبات بها أنها في الغزل! قبل أن ينتقل لنوع آخر من الشعر، كان بالتأكيد في البطولة، حيث راح المنشد، يحاكي حركات الأبطال، والخيالة! يا لهذا التشابه العجيب في ثقافات وحضارات الشعوب!.

يتوقف المنشد بين الحين والآخر، فيقذف المتحلقون حوله، بما لديهم من نقود معدنية، وينخرطون في رقص جميل!.سألت مهدي ابن خالتي المقيم في النمسا عن الرجل، فقال علَّه كان يقلد واحداً من رواد «الفوركس ميوزك» مثل اندرياس جيبالييه هانز هينتر، وكارل مويك، لكنه بالتأكيد مهاجر روماني أو تشيكي!.

في الصباح لم يغب عني وجه هذا المنشد الذي راح ينتقل من قصيدة لأخرى بحماس منقطع النظير، دفعني لأن أسأل مذيعة نمساوية من أصل مصري من جهة الأب، عما سمعته وانفعلت به ولم أفهمه على وجه الدقة، وكانت المفاجأة، قالت «آن» إن الأدباء النمساويين من المستشرقين قاموا بترجمة العديد من دواوين الشعر العربي، بل إنهم ترجموا معلقات امرئ القيس، والنابغة، وزهير، وطرفة بن العبد، ولبيد وعنترة، وعمرو بن كلثوم، والحارث بن حلزة، والأعشى، وعبيد بن الأبرص.. تستمر «آن» في سردها بلغة عربية سليمة، وأنا أضرب كفاً بكف!

لقد كان للمستشرق النمساوي ابل «Abel» فضل ترجمة بعض المعلقات إلى النمساوية ونشرها مع الأصل العربي سنة 1819، بل إن أشعار لبيد بن ربيعة المتوفى عام 662 نُشرت في ديوان طُبع في فيينا للمرة الأولى سنة 1880 على يد يوسف ضياء الدين الخالدي، وأخرى «لكريمر Kremer» طُبعت في فيينا سنة 1881!

بالأمس القريب، تذكرت ذلك المشهد الجميل، عندما تحلقنا حول المنشد المداح الشيخ عليوة، وهو ينشد قصائد الفرزدق، ذلك الشاعر الفحل الذي قيل عنه وعن شعره: لولا شعر الفرزدق لذهب ثلث لغة العرب.. إذا دَمَعَتْ عَيْناكَ وَالشّوْقُ قائِدٌ.. لذي الشّوْقِ، حتى تَستَبِينَ المُكَتَّما. ظَلِلْتَ تُبَكّي الحَيَّ والرَّبعُ دارِسٌ، وَقَدْ مَرّ بَعدَ الحَيِّ حَوْلٌ تجَرَّما. وَشَبّهتَ رَسْمَ الدّارِ، إذْ أنتَ وَاقِفٌ..عَلَيها تكُفّ الدّمعَ، بُرْداً مُسَهَّمَا، ثم ينتقل الشيخ بنا الى جرير، مردداً: إنَّ العُيونَ الَّتي في طَرفِها حَوَرٌ قَتَلنَنا ثُمَّ لَم يُحيِينَ قَتلانا .. يَصرَعنَ ذا اللُبِّ حَتّى لا حِراكَ بِهِ وَهُنَّ أَضعَفُ خَلقِ اللَهِ أَركانا!.

كنت وإخوتي وأبناء عمومتي، وكأننا نزيح عن قريتنا ظلال الكآبة.. وجاء الأهل والخل، وحضرت الإجابة.. فقد اشتاق الجميع لأجواء الفرح.. لصوت المنشد وأنغام الربابة.. وحين كنت أغادر القرية الى القاهرة، مررت لزيارة أبي، فخلته يهش في وجهي، يشاركني الرضا والانبهار، وكانت أمي ترسل لي عبر نافذة القبو، شالاً مطرزاً بالورد وبالثمار!.