سألني موظّفٌ في المؤسّسة العامّة لتحلية المياه المالحة عن أمنياتي للمؤسّسة، وهل يا تُرى تحقّقت أم انطبق عليها قولُ الشاعر:

ما كلّ ما يتمنّى المرءُ يُدْرِكُه

تجري الرياح بما لا تشتهي السفنُ

وسؤاله شَغّلَ عندي شريطاً من الذكريات، وأنا قد هَرِمْتُ في المؤسّسة، وأشرفْتُ فيها على عشرات المشروعات للمحطّات وخطوط الأنابيب والمجمّعات السكنية، وهناك أمنيات لم تتحقّق رغم أنّها للصالح العام وخدمة البلد من خلال أهمّ قطاعاته، ألا وهو قطاع تحلية المياه!.

وهنا أكتب عن ٣ أمنيات فقط، وسبق لي أن أشرْتُ لبعضها في مقالات سابقة، ولم أدَعْ مُحافِظاً للمؤسّسة إلّا وأخبرته بها في اليوم الأول من دوامه بعد تعيينه، لكن وكما دخلْتُ بالأمنيات عليه قد خرجْت، خالي الوفاض، وحتّى المُحافِظ الحالي الذي استبشرْتُ به لقدومه من شركة أرامكو، لم يفعل بخصوصها شيئاً يُحسب له!.

والأمنية الأولى هي توحيد نظام المؤسّسة الوظيفي، إذ ينقسم الموظّفون بين أقلّية يتبعون الخدمة المدنية، وبين أكثرية يتبعون التأمينات الاجتماعية، وعدم التوحيد هو أمرٌ مُجْحِف، وجعل الأكثرية تتمتّع بحوافز مالية أعلى بكثير من حوافز الأقلّية، رغم تساويهم في المسئوليات، ولكم أن تتخيّلوا أنّ رواتب الأكثرية تبلغ ضِعف رواتب الأقلّية، وأنّ مكافآت نهاية الخدمة للأكثرية قد تصل لعشرة أضعاف مكافآت الأقلّية، وقد سبّب هذا حساسيات بين الموظّفين، وما زالت المشكلة مُستمرّة، ولم يُفلِح المُحافظ القادم من أرامكو ذات الريادة في مجال تطوير الأنظمة الوظيفية على التوحيد، وكان الله في عون موظّفي الخدمة المدنية الذين ما زالوا على رأس العمل!.

والأمنية الثانية هي التخلّص من المركزية الإدارية، وعدم حصْر القرار بين جنبات المركز الرئيس للمؤسّسة، وهي كانت في السابق عالية، أمّا الآن فهي أعلى، وتُؤثّر سلبياً على سير العمل، لأنّ وجود الصلاحيات في يد مسئول واحد ليس عاملاً مُساعِداً على النمذجة، لا سيّما وأنّ مرافق المؤسّسة كثيرة ومتناثرة على البحر الأحمر والخليج العربي فضلاً عن العاصمة وبعض المدن الأخرى.

والأمنية الثالثة هي الأهم، وكما كتبْتُ عنها في الماضي أكتب في الحاضر، بهدف تأمين مستقبل المياه في بلدي لأنّه قليل الأمطار، ونسبة صناعة التحلية بمعدّاتها وتقنياتها وأجهزتها وقطع غيارها ما زالت متواضعة التوطين، ولا تعمل المؤسّسة مع قطاعنا الخاص بما يُقِرّ العين لتحفيزه على إنشاء مصانع توفّر لنا التوطين المطلوب، بما يُغنينا عن الاستيراد، وعن الوقوع في براثن المصانع الأجنبية التي تبيعنا مصنوعات التحلية بأسعار باهظة، وعن التأثر السلبي بظروف المنطقة السياسية والحروب المتكرّرة، وما زلْتُ أهلع عندما أتخيّل احتياجنا لمصنوعات أجنبية نادرة في وقتٍ صعيبٍ لا قدّر الله، ممّا يحتاج لفترة طويلة للتصنيع والتوريد على متْن السفن والطائرات، هل نظلّ عطشى إن تأخّرت علينا أو انقطعت لأسباب خارجة عن إرادتنا؟ ليتنا ننتهج الوقاية التي هي خير من العلاج، ونهتمّ بالتنسيق الجاد مع قطاعنا الخاص لتوطين صناعة التحلية.

والله جعل من الماء كلّ شيء حيّ، فما أعظم أن نجعله نحن بين أصابع أيدينا من الألِف للياء، ومن A to Z، ولأجله ينبغي قول الحقّ، ولا شيء غير الحقّ.