أحببت الضياع «التوهان» في العواصم والمدن الأوربية والآسيوية التي زرتها، وكنت أعمد أحياناً الى ذلك، لاستكشاف مزيد من مواقع ومعالم التاريخ ومكامن الجمال. ومن الواضح أن ما حدث لي في القاهرة مبكراً، ساهم بشكل أو بآخر في استسلامي للتوهان الذي بات صفة ملازمة يعرفها كل من سافر معي أو انتظرني أو دعاني لغداء يتحول الى عشاء أو عشاء يتحول إلى سحور!

كنت قد وفرت مبلغاً من المال يتيح لي أن اشتري هدية لوالدي، كانت هي الوحيدة التي قدمتها له، اذا استثنينا فرحته بتخرجي فجأة وكان يظنني أتعثر في الجامعة. ولأنني أعرف عشقه لجبنة «الريكفورد» فقد اشتريت له قطعة من محل في شارع عريق وسط القاهرة، وعدت بها لأهديه إياها وليتني أرسلتها مع أحد من إخوتي!

قال أبي شاكراً وممتناً للهدية القيمة: من أين اشتريتها تحديداً؟ قلت: من شارع سليمان باشا!، قال: من أي مكان فيه؟!، قلت عند تقاطعه مع شارع عدلي، فلما استنكر الأمر تلعثمت وقلت: أقصد مع شارع عبد الخالق ثروت من جهة شارع عدلي، مستدركاً: عند شارع محمد محمود، ومع ازدياد تلعثمي، قال: أين كنت بالتحديد؟ جئت من أين، وتوجهت الى أين، وكيف كان موقعك بالضبط ؟! رحت أراجع ما حفظته من أسماء شوارع القاهرة، فقلت من عند شارع قدري، وراح يضرب كفاً بكف مردداً: «لا حول ولا قوة إلا بالله»!.

قلت في محاولة للخروج من المأزق: هل هو نفس نوع الجبن الذي تريده؟! قال وقد استشاط غضباً: قل لي أولاً: ما علاقة وسط البلد بشارع قدري في السيدة زينب؟!، قلت متفذلكاً: من جهة قصر عابدين، واستمرت المحاكمة!. أخيراً وفي محاولة للإنقاذ نادت أمي للعشاء، وكنت أظن أن المحاكمة انتهت، قبل أن يستأنفها أبي الذي يئس تقريباً في شرح خريطة أسماء الشوارع، قائلاً: ما علينا من أسماء الشوارع، هل تعرف أصحابها؟! قلت في محاولة فاشلة لثنيه عن الاستمرار: أصحاب المحلات؟! قال: بل أصحاب الشوارع.. هل تعرف من هو عبد الخالق ثروت؟!، قلت» طبعاً! قال من هو؟! قلت من أحرار مصر! قالت أمي إن الطعام سيبرد، لكن سخونة أسئلة أبي أنستني الطعام بل الجوع! قال: ومن هو محمد محمود؟! ومن هو قدري باشا؟! قلت كلهم من الأحرار! وبالطبع لم تقنعه الإجابة التقليدية باعتبارها معبراً للهروب، فقال: «طب كل»!.

والحق أنني أكلت في الحقيقة «علقة تاريخية» ساخنة، فقد راح أبي يحكي عن عبد الخالق ثروت الإنسان لا المكان أو العنوان، وكيف أن مصر كلها بكت فيه الشهامة والوطنية وهو يناور الإنجليز سعياً لاستقلالها ونيل كرامتها! ثم ينتقل للحديث عن محمود باشا سليمان الذي جاهد من أجل استقلال مصر شاباً ورجلاً وكهلاً حتى مات!، أما قدري باشا فهو حَبر المحامين وشيخهم الذي ألَّف «مرشد الحيران الى معرفة أحوال الإنسان في المعاملات الشرعية»!. والواقع أن أحوالي أمام أبي لم تكن أبداً على مايرام!

روى لي أبي كيف أن الخديوي إسماعيل انشغل تماماً بأن يجعل القاهرة كباريس، وكيف أتى بالمهندسين الإيطاليين والفرنسيين. وكيف سمي شارع وميدان سليمان باشا على اسم سليمان باشا الفرنساوي الذي أسس الجيش المصري، فلما كانت ثورة يوليو عام 1952 قررت نقل تمثال سليمان باشا الى المتحف الحربي بالقاهرة، ووضعت بدلاً منه تمثالاً للاقتصادي المصري طلعت حرب، وتم تسمية الشارع والميدان باسم ميدان طلعت حرب!. لقد مثَّل لي شرح أبي واستنكاره لجهلي بعظماء مصر «حرب أعصاب» بالفعل، دفعتني للقراءة في تاريخ مصر المنسي من جديد!. الآن وبعد مرور سنوات طويلة على تلك المحاكمة الجغرافية التاريخية التي أقامها أبي لي، فهمت لماذا كان غضبه وثورته لأنني لا أعرف الكثير عن هؤلاء العظماء !، كنت أقرأ في تراجم مصرية وعربية للدكتور محمد حسين هيكل، فوجدته يرثي بل يبكي عبد الخالق باشا ثروت قائلاً: ما أحسب فجيعة من الفجائع التي منيت بها الأمم كانت أشد وقعاً على النفوس من فجيعة مصر في المغفور له عبد الخالق ثروت باشا! وما أحسب رجلاً وجل خصومه كما وجل أصدقاؤه لفقده، كما اشترك أصدقاء هذا الفقيد العظيم وخصومه في وجلهم لرحلته رحلة الأبد!

منذ ذلك الوقت، وأنا أحدد موقع إقامتي جيداً في أي مدينة أزورها قبل أن أنطلق للتوهان المتعمد والجميل!، حدث ذلك عندما تهت في العاصمة البلجيكية بروكسل عن مرافقي وأستاذي الراحل صلاح قبضايا الذي كان ينتظرني في ميدان جراند بلاس.. فلما سألني: أين تهت تحديداً؟، قلت وأنا أنفجر ضحكاً:عند التمثال! قال ولمَ تضحك! قلت: لأنه مضحك جداً! قال وما اسمه؟ قلت: اسأل عن تمثال مانيكن بيس! وقد فعل! جاء لي عند التمثال وهو يشاركني الضحك بصوت مسموع أثار دهشة السياح الآخرين!. كان التمثال التاريخي البرونز الذي يؤمه سياح العالم والمثبت في مكانه منذ عام 1918 لطفل يؤدي فعلاً غريباً في حوض نافورة جميلة! فلما سألنا عما يرمز إليه، قيل لنا: إنه استقلال التفكير!.