لا يمكن أن تكون غالبية الشباب العربي الثائر على الأوضاع المتردية في العراق ولبنان وأكثر من مكان قطَّاعَ طرقٍ!.

لا يمكن أن تكون مهمة هؤلاء أو هوايتهم جمع وحرق إطارات السيارات، وبناء الأسوار وإقامة الحواجز على الطرق بين الأحياء وبعضها والمدن وبعضها!.

وبافتراض أن في كل بلد عربي الآن «قلة مندسة» و»مجموعات مارقة منحرفة» و»أصابع أجنبية محركة» و «مواطنون غير شرفاء» ومجموعات تريد تحويل العراق لسوريا وتحويل لبنان للعراق وهكذا دواليك! بافتراض ذلك كله وأكثر منه، من حق الناس أن تفهم: من الذي قطع الطرق بين الشباب وبين حكوماتهم؟!.

من الذي سدَّ ويسدُّ كل المنافذ للتواصل، ويستغرق في النوم قبل أن يصحو على صوت المحتجين؟!.

من الذي تسبب ويتسبب في رفع معدل البطالة، ووأد كل طموح للمشاركة في البناء؟.

من الذي عطَّل قطار التنمية، بل من الذي منعه من التحرك لسنوات؟!.

وبالجملة، من الذي هبط ويهبط بالاقتصاد وبالعملة؟.

إن عشر سنوات في بعض البلدان العربية كانت تكفي لبناء اقتصاد جديد، كما أن عشرين سنة في بلدان عربية أخرى كانت تكفي لبناء دولة، وثلاثين سنة في مجموعة عربية ثالثة كانت تكفي لبناء دول كاملة!.

الآن بعد هذه السنوات بل العقود يقال للمحتجين في بعض البلدان أمهلونا سنة، وفي بلدان أخرى: أمهلونا سنتين، وفي ثالثة: أمهلونا ثلاثاً!، وليتهم يَحلِّون أو كما يقول اللبنانيون «يحلوا عنا»

سيقولون لك أو لهم إنه الفساد المتوارث والفتنة الداخلية المستشرية والنزاعات الطائفية المستحكمة.. قل لهم انظروا لرواندا.. نعم رواندا الأفريقية التي تحتفي بالقضاء على الفقر!.

سألت في مقال سابق، ما الذي حدث في رواندا، بحيث تتحوَّل من مركز المجاعة والفقر، والمرض والفساد، إلى أيقونة للسياحة والقوة والثراء؟.. ما الذي حدث في رواندا ولم يحدث في دول عربية تتمتع بثروات طبيعية وبشرية ومناخية؟!.

ستقولون الفساد!، وهل كان هناك أكثر توحُّشًا من فساد رواندا؟!.

ستقولون الحروب والفتنة الداخلية والانقسام الشعبي!، وهل كان هناك أكثر من بحار الدم بين قبيلتي الهوتو والتوتسي والتي سقط فيها أكثر من مليون إنسان؟!.

إن ما جرى ويجري بين العراقيين وبعضهم، وبين اللبنانيين وبعضهم، لا يساوي عُشر ما حدث بين الروانديين!

بل إن ما حدث ويحدث في دولٍ عربية أخرى على فداحته، لا يساوي شيئًا مقارنةً بما حدث بين الهوتو والتوتسي.

سألت أيضاً وأسألُ اليوم: هل هى ضغطة زر تلك التي حوَّلت أرض الألف تل، التي لا تملك أي سواحل على أي بحر، باستثناء بحار الدم، إلى عاصمة للسياحة والجمال؟!.

هل تعلم أن لرواندا الآن اقتصاداً نامياً، أو نموًا اقتصاديًا هو السابع على العالم؟!.

هل تعلم أنه فيما ينخفض عدد المستثمرين الأجانب في دولنا العربية الإفريقية، أصبحت رواندا منذ عام ٢٠١٦م أولى الدول الإفريقية جذبًا للمستثمرين ورجال الأعمال؟!.

هل تعلم أن رواندا «الفقر والدم والمجاعة» حتى وقت قريب، حقَّقت السياحة فيها ٤٣ في المئة من الدخل الإجمالي للبلاد؟!.

رواندا الحروب والانقسامات والصراعات الدموية، تضاعف متوسط دخل الفرد فيها ثلاث مرات بفعل الانتعاش الاقتصادي.

رواندا بحار الدم، تُخصِّص الآن نصف ميزانيتها للتعليم والصحة، ومعظم دولنا العربية تعليمها ينهار وصحة شعوبها في النازل!.

رواندا تحتفل بنجاح شبابها في بناء دولة، وبانتشال آخِر مليون فرد من الفقر، وإعلان القضاء عليه نهائيًا، ونحن نحتفل بالتأكيد بأشياء تافهة أخرى.. هذا هو الفرق!.