أعكف حالياً على قراءة كتاب»طريق الحياة»، آخر ما كتبه المفكر والروائي الروسي العظيم «ليو تولستوي» قبل وفاته؛ وتذكرت ليلة منذ بضع سنوات أني لم أنمْ حتى أتممت كتابه الرائع «حكم النبي مُحمّد» والذي ألفه عام 1909م؛ عبَّر فيه عن إعجابه الكبير بالنبي عليه الصلاة والسلام ناقلاً إلى الروسية عدداً من الأحاديث النبوية التي تدعو للإنسانية والأخلاق؛ لكن الإشارة للكتاب قليلة لا كأعماله الخالدة «الحرب والسلام» و»أنا كرنينا» التي شاهدناها اقتباساً في فيلم»نهر الحب» عام 1960م بطولة فاتن حمامة وعمر الشريف؛ فيما كتابه الفكري»مملكة الرب داخلك» تأثر به بأبرز رجالات التاريخ كغاندي ومانديلا.

لقد فضّل أن يكون صوتاً للفلاحين والفقراء؛ وزع أراضيه عليهم وبنى مدرسة لتعليم أبنائهم؛ في الوقت الذي كان التعليم حكراً على الطبقة الراقية بروسيا، إنه أحد أهم عباقرة الأدب والفكر الإنساني، وبلغ مبلغاً جعله بمكانة قيصر روسيا بسبب أطروحاته الثورية، وتكفير الكنيسة الأرثوذكسية له بسبب رؤيته الخاصة للمسيحية التي انتهى فيها بأن يوصي ألا يُصلي عليه قسيس بعد وفاته، ولا يُوضع الصليب على قبره.

ورغم ما حفلت به حياة رجل بلغ 82 عاماً لكن كثيرين ربما لا يعرفون عن حياة ظله زوجته»صوفيا»التي عاشت معه 48 عاماً؛ إذ تُشعرك مذكراتها المنشورة أنها كانت زوجة مسحوقة رغم الرفاهية والثراء الذي عاشت به؛ ليس لأنها زوجة رجل طغى عليه التفكير؛ بل لأنها امرأة موهوبة تجيد ثلاث لغات وتعزف الموسيقى ودفنت ذلك في ظلّه، بينما حقد عليها محبوه لاعتقادهم أنها من دفعته إلى هروبه تلك الليلة نتيجة خلافاتهما حول مشاريعه وتنازل عن ثروته رغم حبهما الجارف والمُعقد لبعضهما، لقد هرب تاركاً لها مع ابنتهما رسالة: «حبيبتي صوفي..بات هذا الثراء يخنقني» وما أن أتمتها حتى حاولت الانتحار؛ بينما تحول هو إلى عجوز متشرد يموت من شدة البرد قرب محطة قطار بقرية نائية، لم تعرفها روسيا إلا بعد أن توفي فيها.

لقد أحبت صوفيا الكتابة، ومارستها منذ الـ16 من عمرها، وحين هامت به كان أمامها روائي من طبقة نبيلة؛ تبادلا الحب وتزوجا رغم أنه يكبرها بـ16 سنة؛ وبقيت تكتب يومياتها وتشغل نفسها بكتابة مسودات أعمال زوجها؛ فنسخت روايته «الحرب والسلام»سبع مرات بيدها؛ ومعظم مسوداته؛ إنها أول قارئة لتوليستوي؛ دفنت مواهبها كي تهيئ له الجو ليكتب ويفكر ويقرأ، وفيما تفرغت تُنجب وتربي له 13 ابناً وبنتاً؛ مات منهم خمسة؛ تفرغ هو ليعلم أولاد الفلاحين والفقراء في مزرعته؛ وحين تجاوز الخمسينيات كانت هي في الثلاثينيات؛ وبدأت اهتماماته الفلسفية تطغى على عواطفه؛ وجعلته بارداً معها؛ لكنها استمرت زوجة مُحبة وغير عادية.

ومما كتبته بيومياتها في 5 فبراير 1898م؛ عندما ذهبت معه إلى رحلة صيد:»كان ليوفوشكا ـ اسم حميمي تطلقه عليه ـ يقف خلف إحدى الأشجار وسألته لماذا لم يعد يكتب؟! طأطأ رأسه وتطلع حوله بطريقة أقرب إلى الكوميدية وقال: لا أحد يستطيع سماعنا عدا الأشجار كما أعتقد ياعزيزتي؛ لذا سأخبرك بأنني قبل أن أكتب أي شيء جديد أحتاج أن ألتهب بالحب، وهذا ما انتهى الآن؛ قلتُ: ياللعيب، مضيفة بروح النكتة، يمكنك أن تقع في حبي، لكي تستطيع أن تكتب شيئاً ما، فقال:كلا..لقد فات الأوان».

لا أعرف كيف تخيلتُ ملامحها وحزنتُ عليها وهي تسمعه؛ ورنّ صوت «أم كلثوم» في أذني:»وصفولي الصبر..لقيته خيال وكلام في الحب..يا دوب ياااادوب ينقال».