يُعد العنفُ بين طلاب المدارس وفي بيئة التعليم، صورة مُصغّرة من العنف المُجتمعي في الشوارع وأماكن العمل.. وبصورة عامة، كلّما تخلّفت أساليبُ التعليم وقيمُ التربية والثقافة، تراجعتْ القيم الإنسانية المُشتركة، وازداد عدد الأفراد الذين يعانون من اضطرابات الشّخصية والتعرّض للتهميش والتنمّر والتمييز، فيدفعون بالإيذاء بأشكاله اللفظية والسُّلوكية والبدنية كوسيلةِ تنفيسٍ وتشفٍّ.

ويبدو أن العُنف في مواقع التّواصل الاجتماعي، امتدادٌ لثقافة التنمّر واللاعقلانية في الشوارع وأماكن الدراسة والعمل، وإشارةٌ إلى تنامي مشاعر الغضب والاحتقان وسوءِ الظروف التربوية والاقتصادية وغياب ثقافة التحاور والاحترام، فالإنسانُ المقهور ضعيفُ الإدراك والوعي، يلجأُ عادةً خلال تواصله للغة الشتم والتهديد والمُزايدة والاستشراف، وحتى التخوين.

وبالطبع، يُعد العنف ضدّ المرأة من أكثر أنواع التعنيف انتشاراً، ففي تقريرٍ للمركزِ الوطني لاستطلاعات الرأي العام في السُّعودية (صحيفة سبق، 3 يناير 2018) تبيـّن أن (46%) من المُشاركين يروْن أن العنف ضدّ المرأة السُّعودية مُنتشرٌ بدرجةٍ متوسطة ومُتزايدة، وأن العنفَ النفسي هو أكثر أنواع العنفِ انتشاراً بنسبةٍ وصلت إلـى (46.5%)، وكان «الزوج» هو المسؤول الأول عن هذه الحالات بنسبة (73%)، مع مُلاحظة أن أكثر سببٍ للعنف ضد المرأة كان «بعض العادات والتقاليد».. ولعلّ من ضمن أسبابِ ذلك، اقتصارُ الشّرف والفضيلة في الأعراف الشرقية على «عار المرأة»، مما أعفى الرجل ضمنياً، من عبءِ أن يكون شريفاً في أخلاقه أو منضبطاً في سلوكهِ الشخصي.

ومن صُور العنف ضدّ الأطفال، تركُهم يمرحون ويلعبون في السّيارة المُتحرّكة وتعريضُهم للخطر دون أيّ وسائلِ أمان، كما أرى أن التهاونَ في سهر الأطفال إلى وقتٍ متأخر من الليل، ثـمّ إيقاظهم في وقت مبكّر جداً من الصباح بغرض الإسراع بهم للمدارس، واضطرارهم لبداية الحصة الأولى مُبكراً كما هو الحاصل، يدخلُ ضمن أنواع الإساءةِ النفسية والبدنية ضدّهم.

أما «عُنف الشوارع» أثناء قيادة السّيارات، فمستوىً متقدّم من العنف الذي قد يُفضي إلى القتل والبتر والشلل، ويعكسُ مدى انتشار العدائية والهمَجية السّلوكية بين كثير من أفراد المجتمع، حيث يبدو لي أن معظم الحوادثِ المرورية، هي نتيجة التعنّت والأنانية المُفرطة والاستهتار، وحبّ التسلّط على الآخرين وقهْرهم.

يقول الدكتور (علي الوردي): «الأخلاق هي نتيجةٌ للظروف النفسيةِ والاجتماعية، فلو غيـّرنا ظروف الناس لتغيّرت أخلاقُهم».. كما يقولُ الفيلسوف (برتراند راسل): «القانونُ ضروريٌ لتكوين العاداتِ التي تجعلُ الإنسانَ الاجتماعيّ مُمكناً، ولا يُمكن وجودُ الاتّساق الاجتماعي دون تلك العاداتِ التي تؤدّي إلى نبذ العُنف».