خلال سنوات قليلة مضت كان الشعار الدعائي لترويج السياحة في مصر الشقيقة: «البيت بيتك»، وذلك ليس مجرد شعار بل هو ملموس ومشاهد، «فأم الدنيا» كما تسمَّى هي بيت كل العرب دون أدنى شك، وكل عربي فيها يحس بأنه في بيته، بين أهله وإخوته، ولا يحس بالغربة أبداً، وهو ما لا يحدث في أي بلد آخر دون شك.

وما يؤيد هذا الشعور ويدعمه أن زائر مصر يحس دوماً أنه مقدَّم على أهلها في الإكرام وحسن المعاملة، ولو احتكم شخصان الى جهة رسمية لخلاف ما، فإن الزائر العربي يُعطى حقه كاملاً دون أي محاباة أو تفضيل للمصري، وهذه الحال تعكس ما جاء في البيت المشهور: (يا ضيفنا لو زرتنا لرأيتنا نحن الضيوف وأنت ربُّ المنزل).

ومن زار مصر مؤخراً، فقد أدرك ولا شك أنها اليوم مصر أخرى بعد توسع مدنها، وخصوصاً القاهرة الكبرى، بخطوطها الدائرية العملاقة ومراكزها التجارية الحديثة جداً التي لا تقل في كل ما فيها عن رصيفاتها في أمريكا وأوروبا، والمدن الجديدة كمدينة 6 أكتوبر التي تعد مفخرة عمرانية واقتصادية كبرى وسواها، وما يربط بين هذه المدن والضواحي بالقاهرة القديمة من طرق سريعة ووسائل نقل حديثة وخدمات جيدة ومرافق متكاملة. وقد يحس الزائر بشيء من غلاء الأسعار بعد أن انخفضت قيمة الجنيه المصري فوصل الدولار الى 17 جنيهاً والريال الى 4.5. ومع ذلك فإن حساب التكاليف بما يقابلها بالريال السعودي يظهر أن كل تكاليف السائح في مصر معقولة للغاية مقارنة بأي دولة أخرى شرقاً أو غرباً، ناهيكم عن كل ما يمكن أن يسرَّ السائح العربي من فعاليات ومهرجانات ومسرحيات واحتفالات في كل مكان. ورغم كل هذه الجوانب الجاذبة للسائح العربي إلا أن بعض الجوانب «الطاردة» لا تزال موجودة، ومنذ عشرات السنين ولم تتنبه لها الجهات المسؤولة كوزارة السياحة وغيرها ولم تتخذ حيالها أي إجراءات تذكر حتى أنها تزداد وتستفحل سنة بعد أخرى.

وأهم هذه الجوانب السلبية الطاردة إن جاز التعبير: التسول و»البقشيش»، وإن كانت ظاهرة التسول موجودة اليوم في وسط البلد والقاهرة القديمة، فإن «البقشيش» لا يزال موجوداً في المدن والمجمعات الجديدة بل والمطارات وبعض الجهات الرسمية . فالكل يطلب منك أن تكرمه أو «تراضيه» كما يقولون، وخصوصاً في مواقف السيارات التي لا بد من أن يكون لكل منها «منادي» كما يسمونه، لا تعلم من عيَّنه ويتبع لأي جهة. ولا يُسمح لك بالوقوف إلَّا إن «راضيته». وأبشع صور «البقشيش» في ظني وظن الكثير ممن كتبوا عن هذه الظاهرة، ما يطلب منك بطريقة منفرة في دورات المياه، حين يخفي عامل الدورة مناديل الورق، ويبادر الى إعطائك إياها مع عبارات:»كل سنة وانت طيب» أو غيرها، وتُحرج كثيراً إن لم يكن لديك «فكّة» كما تُسمَّى. وخلال عشرات من السنين لم تختفِ هذه الظاهرة حتى في فنادق النجوم الخمس والمطاعم الفاخرة. أما التسول فحدث ولا حرج عند كل إشارة وكل مطعم وكل زقاق وحارة. وهم يعرفون أشكالنا مهما تخفينا، ورغم أننا نرثي لحالهم إلا أن الإلحاح وفتح أبواب السيارات وقرع زجاج السيارات منفِّر ومقزز.

أعتقد جازماً أن اتخاذ خطوات مناسبة للحد من هذه الظواهر أمر ضروري لتنشيط السياحة في مصر، وليس مقبولاً ما نسمعه من أن الفقر والحالة الاقتصادية للشعب المصري هي السبب في ذلك، فقد زرنا بلداناً أكثر فقراً بكثير من مصر ليس فيها تسول ولا بقشيش منها سريلانكا مثلاً وغيرها، ولا بد من معالجة هذه الأمور لتبقى مصر بيت العرب جميعاً ويظل شعارها:» البيت بيتك».