الآن في هذه اللحظات يجلس الصهاينة ولا أقول اليهود، يرسمون الخرائط ويغيرون الحدود!، الآن في هذه اللحظات في تاريخ العرب المسلمين والمسيحيين يجلس سادة الكنيست والبيت الأبيض لمحو كل شيء له علاقة بفلسطين!، الآن بعد أن أشعلوها في العراق وسوريا ولبنان وليبيا وفي كل مكان، وبعد أن حولونا إلى وقود انصرفوا لإطعام غربان الحدود!.

جاء في تقرير «الشرق الأوسط» بعدد الاثنين الموافق 27 يناير 2020 أن تسريبات «صفقة القرن: التي لم تعد تسريبات تقول بأن يتاح لإسرائيل ضم نحو ثلث مساحة الضفة الغربية، بحيث تصبح مساحة الدولة الفلسطينية نحو 70 في المائة من الضفة الغربية، وتكون جميعها منزوعة السلاح، وتكون عاصمتهم مخيم شعفاط للاجئين، وقرية شعفاط المجاورة له، ولكن ذلك لا يطبق عملياً إلا إذا وافق الفلسطينيون على الخطة بكل بنودها، وإذا اعترفوا بإسرائيل كدولة يهودية عاصمتها القدس!.

دعك من الكبار من أمثالي، ولن أقول أمثالكم، وهات لي طفلاً عربياً واحداً يقبل بأن تكون عاصمة فلسطين اسمها بل شكلها «شعفاط»!، هات لي طفلاً مغربياً أو خليجياً، مصرياً أو شامياً، ماليزياً أو أندونيسياً يرضى أن يغني يوما لشعفاط، وأن يرسم في دفتر الرسم صورة لشعفاط!.

أعرف أن شرائط واسطوانات «البيت لنا والقدس لنا « لفيروز، و»القدس ...

في طريق الآلام» لعبد الحليم، وأصبح عندي الآن بندقية، إلى فلسطين خذوني معكم» لكوكب الشرق قد تصبح من الممنوعات في بعض مكتبات واستديوهات وأروقة الإذاعة والتلفزيون العربية، إن لم تكن أصبحت كذلك بالفعل، لكن ماذا لو سمعت طالباً يغني لأجلك يا مدينة الصلاة أصلّي.. لأجلك يا بهيّة المساكن يا زهرة المدائن..

يا قدس يا مدينة الصلاة أصلّي؟! هل سيتم القبض عليه؟!

وماذا لو تجرأ أحدهم وراح يردد: ياكلمتي لفي ولفي الدنيا طولها وعرضها.. وفتحي عيون البشر للي حصل على أرضها.. على أرضها طبع المسيح قدم.. على أرضها نزف المسيح ألم.. في القدس في طريق الآلام؟!.

قد أفهم أن من يردد ألحان محمد عبد الوهاب، وكلمات نزار قباني، مع كوكب الشرق: أصبح عندي الآن بندقية الى فلسطين خذوني معكم، يدخل نفسه في دائرة الاتهام بأبشع التهم، حتى لو كانت الكلمات تقول: إلى رُبىً حزينة، كوجه المجدلية.. إلى القباب الخضر.. والحجارة النبيَّة! لكن، ماذا لو ردد مزارع أو عامل مع هاني شاكر: كل المدن بتنام.. غرقانة في الأحلام..إلا عيون القدس صاحية ولا بتنام؟

ماذا لو ردد أحدهم مع الشاب محمد عساف: أرض القدس نادتنا صوت أمي يناديني.. على عهدي على ديني على أرضي تلاقيني؟!، أو مع آمال ماهر:عربية يا أرض فلسطين.. قدس و مهد وعهد و دين..

إنجيل، قرآن، وجرس، وأذان.. وغضب ينطق يوم حطين؟!

مع ذلك، ورغم ذلك، بت أكثر ثقة من أي وقت في العمر مضى، بأن ما يفعلونه محض هراء! مصيره الجفاء!، فالماضي كما يقول محمود درويش على لسان الأجيال الفلسطينية المتعاقبة: هنا، ولنا صوت الحياة الأول، ولنا الحاضر، والحاضر والمستقبل، ولنا الدنيا هنا والآخرة، فاخرجوا من أرضنا.. من برنا.. من بحرنا.. من قمحنا.. من ملحنا.. من جرحنا.. من كل شيء، واخرجوا من ذكريات الذاكرة!

إن شيئاً كما يقول كنعان علي لم يجد! ما الذي جد في هذه الجيفة المتخمة؟ الجحافل في شرق الأرض أو في مغاربها.. تنام على سندس الأوسمة.. واللصوص القدامى كبار اللصوص، سرقوا حليب الصغار، وهم يحيطون الكلاب الضواري.. وأنا أعزل الكلمات.. ولكنها ترتمي نتفاً تحت نافذتي.. ولا تستطيع الحصار!

هذا عن واقع الحال المائل، أما عن الحال الثابت فقد عبر عنه سميح القاسم وهو يتحدث عن الطفل الفسطيني قائلاً: أن تجيء كما الوقت في الساعة الحجرية.. أن تتواجد بالضبط في لحظة المحو.. يعنى الهواء الذي يتهشم في الشارع العام.. يعني الندى حين يحمل قمصاننا للغصون التي تتعرى.. ويعني كذلك أن مدينة «لا» في الصبح المبكر تقطف أحجارها الورد، من شارع جانبي، وتملأ بها مزهرية تشبه اليد!.