حين ارتدى ابن عمتي ثوبه الأبيض معتمراً عمامته المحببة وممتطياً أتانته القصيرة، ماضياً في طريقه للعزاء بمتوفى في قرية مجاورة، اعترضه أبي ليسأله: إلى أين؟! أجاب: واجب عزاء! ومَن المتوفى؟، قال بتلقائية واضحة: لا أعرف!. كان ابن العمة يؤدي أو يطبق نظرية «الواجب» حرفياً، تلك النظرية التي درستها فيما بعد في قسم الفلسفة بآداب عين شمس!.

والحاصل أن ابن العمة، لم يذهب للمدرسة قط، ومن ثم لم يحظ بأي نصيب من العلم، ثم إنه لا يعرف المتوفى، ولا أحد من أقاربه أو عائلته!، كل ما حدث إنه سمع بخبر وفاة إنسان في قرية مجاورة، فاندفع لتأدية الواجب.. واجب العزاء!.

كان الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط الذي ولد عام 1724 قد جعل من الواجب المحور الأساس للأخلاق الإنسانية، والمصدر الوحيد للإلزام الخلقي، ذلك أن تحليل مفهوم الإرادة الخيرة يرتد بنا الى مبدأ أساسي واحد هو الواجب الذي تنبع منه كافة الأفعال الأخلاقية للإنسان العاقل صاحب الإرادة!، أما الأفعال العفوية التي تصدر عن الإنسان من دون إرادته فإنها لا تحمل أي قيم أخلاقية، حتى لو حققت مصادفة بعض الأعمال الخيرة!.

ويعود الواجب عند كانط إلى طبيعة العقل العملي، بوصفه تلك الملكة الكلية العامة التي تميز الإنسان من حيث هو حيوان ناطق، فليس الإنسان مجرد حيوان يسعى نحو إشباع ميوله وحاجاته من أجل المحافظة على بقائه، بل هو أيضاً كائن أخلاقي يحاول توجيه سلوكه، والعمل بمقتضى الواجب!.

بالأمس تذكرت مقالاً رائعاً للعلامة الشيخ محمد الغزالي كان رحمه الله يمليه علي، وأنا في مكتبي بلندن، يقول فيه: أخبرني الدكتور حمدي زقزوق عميد كلية أصول الدين بالقاهرة، بأن لديه صورة من الإجازة العلمية التي حصل عليها الفيلسوف الألماني كانط، فقلت له: وما قيمة هذه الصورة؟ قال: في صدرها من أعلى كتب كانط الآية الكريمة: «بسم الله الرحمن الرحيم»!.

لقد فسر لي هذا المقال حيرة سنوات عديدة استمرت طوال دراسة الفلسفة، وما تلاها من سنوات في مشوار البحث والتأمل.. والحق أنني كنت أتعجب كثيراً من مقولات كانط التي لو قرأتها مجردة أو مجهلة دون اسمه، لخلت أنها لعالم أو مفكر إسلامي.. ومن ذلك قوله: اذا أردت أن تحيا سعيداً، فكن صالحاً! واذا أردت أن تكسب ثقة الناس افعل الصدق دائماً!.

لقد فرَّق كانط -كما يقول أستاذنا الدكتور مصطفى عبده- بين نوعين من الأوامر: أوامر شَرطية مقيدة كما في حال ربط السعادة بالصلاح وربط الثقة بالصدق، وأوامر قطعية غير مقيدة بشرط، وهو ما يلزمنا به أمر ضروري في ذاته، بصرف النظر عن نتائجه أو غاياته، كأن أقول مثلاً كن خيراً أو قل الصدق دائماً، وهنا يكون فعل الخير أو قول الصدق وسيلة للحصول على أمر ما كائناً ما كان، بل يكون مجرد تصرف نزيه نلتزم فيه بأصول الخير.

قارنت بين مقولات كانط، وبين مكانة الأخلاق في الاسلام، حيث يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم «خير الناس أنفعهم للناس»، وهنا يوضح الدكتور مصطفى عبده أن الاسلام جاء لتنظيم سلوكيات الناس على أساس من العدل ورفع الظلم، كما أن العبادة فيها تطهير للنفس لتكون صالحة للائتلاف والنفع. والعابد ينفع نفسه ويطهرها، ولكن لا منفعة منه إن لم يشرك الناس في أعمالهم ويجاهد من أجلهم.

لقد اعتراني الشك في تعرف كانط على الاسلام، بل إسلامه دون أن يصرح هو، ودون أن أصرح أنا بشكي لمن حولي من أصدقاء وأساتذة في هذه المسألة، «إحراجاً أو خوفاً من الاتهام بالتعصب»!

ثم كان ما كان ورحت أبحث من جديد في فكر ذلك الفيلسوف الألماني الكبير وكانت المفاجأة! لقد تملكت الدهشة كاتباً تونسياً كبيراً هو الدكتور فتحي المسكيني، وهو يعيد قراءة كانط! ولأنه حاصل على الدكتوراة في الفلسفة، فقد ألف كتاباً جميلاً يدور حول هذه المسألة بعنوان «كانط والإسلام: أو في حدود الكبرياء» وزاد من فرحي بالكتاب ومؤلفه أنه تطرق أيضاً الى مسألة كتابة كانط للآية الكريمة، قائلاً: كأن كانط كان يشعر بالانتماء الينا بوجه ما! أو أن عليه ديناً ميتافيزيقياً تجاهنا.. ولم يجد من تعبير لائق سوى إثبات ذلك التوقيع الجميل «بسم الله الرحمن الرحيم» على أغلى ما عنده يومئذ من الاعتراف الروحي بنفسه!.

وعن العرب، الذين يحلو لبعض مفكريهم الآن التبرؤ منهم، يقول كانط في درس ألقاه سنة 1870: لقد خمدت جذور الثقافة عند الرومان، وظهرت البربرية حتى جاء العرب الذين هم في نظري أسبان الشرق فنذروا أنفسهم للعلم والمعرفة!

سلاماً على روح كانط وروح الغزالي وروح الدكتور مصطفى عبده، وروح الدكتور فتحي المسكيني، وألف رحمة على روح ابن عمتي!.