يطيب لي الآن أن أكتب للمصريين وللعرب في كل مكان عن مصر التي رأيتها في معهد الأورام!، عن مصر الإنسان، أغنية جميلة لكنها حزينة، ولحنها خليط بين الفرح والأحزان!.

والذي حدث أنني مرضت، وحتمت حالتي الصحية أن يكون علاجي في المعهد القومي للأورام الذي تعرض لدمار هائل قبل دخولي بعدة أشهر، وهو الأمر الذي زاد من حرج الزمان وقسوة المكان!

في عيادته راح الطبيب المصري المخضرم الدكتور حاتم أبو القاسم، عميد معهد الأورام، يتحدث بفخر وزهو عن قرب وصول زميله الخبير الأمريكي، المصري الأصل، وكيف يقف هو وبقية أساطين جراحة الأورام، يتابعونه أثناء اجراء كل عملية، خاصة وأن جهاز الريبوت الوحيد الذي سيتولى تنفيذ العملية تابع لمعهد الأورام، ولا يوجد سواه في أي مستشفي خاص في مصر!

وفي زحمة التعبير عن افتخاره بالطبيب القادم المصري الأصل، استدرك قائلاً إن أجر العملية مرتفع، ومع ذلك لن يتقاضي الرجل شيئاً منه، حيث تدخل حصيلة العمليات الثلاث التي سيجريها للإنفاق على مرضى المعهد الذي يتم فيه العلاج بالمجان.. نعم بالمجان!

في الموعد المحدد، وقبيل دخول المعهد للمبيت والتجهيز للعملية، أخذني أخي، الى النيل، حيث مطعم الأسماك الفاخر الجميل، فاكتفيت بطبق «الحساء»، فيما راح هو وصديقنا أو بالأحرى شقيقنا الذي لم تلده أمنا د. خالد يتبادلان النكات، حتى يخرجاني من نوبة القلق ويحفزاني على الطعام.

على بوابات المعهد، لمحت وجه طفلة جميلة، تجلس على حجر أمها الحزينة.. ترْبِتُ الأم على كتفها تارة، ثم تبكي وهي تمسح على ضفائرها الطويلة!، وفي الركن شاب، يبدو أنه كان يافعاً قبل أن يهدَّه المرض.. لمحت أسفل عينيه دمعتين تنزلان في خجل.. ترى! أكانتا دموع الألم أم دموع الأمل! وعلى كنبة رخامية، جلست أم تنادي على ابنها بنبرة ملتاعة.. أنا معك.. لن أتركك.. كانت تقولها وأظنها تموت من الحسرة كل ساعة!، ورأيت رجلاً ممدداً بلا غطاء.. متوسداً بلاطة سوداء، وكان ينظر للفضاء، مبتهلاً ومستسلماً لمشيئة السماء!.

كانت شركة «المقاولين العرب» قد تسلمت المعهد بُعيد الحادث الجبان، وآثر المهندسون أن يغطوا المدخل الرئيسي الذي تم تدميره بالكامل بأعلام مصر، وفي الداخل انتشر المهندسون والعمال كخلية نحل يواصلون العمل ليل نهار، وهم يشربون دمعهم على أهاليهم المرضى الآتين من كل الأقاليم!

وبين الحين والآخر يمضي الأطباء المساعدون يتقدمهم الدكتوران عمرو الدميري وأحمد عبد الباري يوزعون الابتسامات في الطرقات، يهشون في وجه كل عابس وكل وجه شجي.. مصر التي رأيتها هنا.. مصر العمل والإخلاص والتفاني والأمل!

هنا وحدة للأطفال تبرع بها فلان، وهناك وحدة للنساء تبرعت بها فلانة، وعلى جدران المعهد إعلانات الخيرين الذين يعلنون استعدادهم لاستضافة وإيواء المرضى ومن ينتظرون دورهم في الدخول من أبناء الأقاليم.بالمناسبة اكتشفت هناك كذب المطبلين الذين تدفقوا بالأعلام ليعلنوا التبرع بمئات الملايين، اكتشفت كذلك، أن المتبرعين الحقيقيين لا يرفعون الأعلام ولا يهتفون، إنهم يبتغون فقط وجه الله والوطن!.

وهناك علمت أيضاً أن المعهد ينفق نحو 700 مليون جنيه سنوياً على المرضى الآتين من أنحاء مصر!! يا لروعة المتبرعين الناكرين لذواتهم. نعم هذا هو الوضع في واحد من أكبر وأهم الصروح الطبية في مصر والشرق الأوسط.

داخل الصرح العظيم بحق والجميل بحق وفي اللحظة التي ستمسك فيها بايصال التبرع ستشعر على الفور أنك ساهمت بضخ الأمل في شرايين المرضى المحتاجين.. وما أجملها من لحظة.

أردد بعض الأدعية والتراتيل، فالنوم بات حلماً لا يطال، فيما يظهر وجه أبي تارة، ووجه أمي أخرى من بين ابتهالات السؤال. ها قد جاءت عربة غرفة العمليات، وتلونت كل الأبواب بالبياض، وبانت وجوه الأسلاف مع حقنة المخدر جميلة ناصعة!.

راح شريف! فاض حنينه لأبيه وأمه، اشعلا قلبه فاطمأن! وعندما رأى العيون كلها تخصه، أيقن للحظة أنه قد يلقى الآن ربه..وقد يعود.. ابتسم!.. أسلمت لهم قلبي، وأسلمت عيني لفضاء جميل، وقبيل الإفاقة، كنت أعود لأيام الطفولة.. هل كانت النهاية أم كانت البداية! كان وجها أبي وأمي يظهران ويقطران في دمي الحنان.. يا الله! وجه أبي لم يهرم.. رأيته -كما هو- بشوشاً، ورأيت أمي تشير لي مستئذنة وهي توصيني بإخوتي من جديد وكانت تبتسم!

في المساء وبعد الإفاقة جاء الطبيب الأمريكي المصري الأصل عمرو فرجاني، يحيط به كبار أساتذة الطب في مصر، أهديته كتابي، وأهداني قبلة، وهو يعدني بالقراءة في الطائرة، حيث لابد أن يعود الليلة الى واشنطن.. إنها مصر التفوق والنبوغ اذا ما وجد أبناؤها البيئة الحاضنة للإبداع! وفي صباح اليوم التالي، عندما لمحت مدير المعهد الدكتور حاتم أبو القاسم وجدتني أردد مع فؤاد حداد: فيه أسامي في الدنيا زي المواسم..زي العسل والقمح.. زي الشعاع الحاسم.. لما يشق الظلام.. زي اللغة اللي بتجمع الإنسان على أخوه في الوطن.. أول علام الكلام!