بعض من عباد الله اختصهم المولى سبحانه وتعالى بفعل الخير، وهم أهل لذلك، ولا يستعجب البعض حين أقول إنهم أهل لذلك، فكثيرون في أيامنا هذه ممّن يفعلون ما يبدو أنه أفعال خير، لا يفعلونها عن قناعة إنسانية، بل عن مكر ودهاء مجتمعي؛ بغية تحقيق أهداف وأغراض مصلحية خاصة، بما فيها الدعاية المجتمعية، وترديد أسمائهم كفاعلي خير. * لا أودّ وأنا أتحدث عن جانب إنساني رفيع أن أبدو وكأني متشائم، أو متحامل على أحد، وما أسعى إليه حقًّا هو إبراز حقيقة عمل الخير الصادق، الذي لا يرجو صاحبه، أو فاعله سوى ثواب رب العباد، ولا يهمه إطلاقًا ما يقوله الناس، أو علمهم بما يفعله، وهذا هو الفعل الحقيقي للخير المؤثر دِينًا ودُنيا. * من الذين اختصّهم المولى جلّت قدرته بفعل الخير، وهم أهل له، ما رأيته شخصيًّا الأسبوع الماضي في الروضة الشريفة، أثناء زيارتي للمدينة المنورة، على ساكنها أفضل الصلاة وأتم السلام. ففي زاوية مجاورة لنهاية الروضة الشريفة من جهة منازل زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم رأيت أفعالاً لا يمتلك الإنسان أمامها سوى الفرح والتفاؤل بأن هذه الأمة بخير، كما أخبر عنها نبيّها عليه الصلاة والسلام. * رجل في الستينيات من العمر، وبجواره اثنان أحدهما من إندونيسيا، والآخر من الباكستان، وكأنهما مرافقاه، وليس خادمين كما كانت توحي بذلك تصرفاته معهما.. كنتُ أجلس مباشرة خلف الرجل، ولمدة زمنية امتدّت من قبل صلاة المغرب إلى ما بعد صلاة العشاء، وأنا أراقب الرجل الذي شدّني بأفعاله، وهو لا يدري أنني أُلاحظه. * موقع الرجل تحوّل إلى مكتب لفعل الخير، فهذا يحمل له فاتورة كهرباء، ويبلغه بعدم قدرته على دفعها، والرجل يأخذها بكل هدوء ووقار دون مناقشة أو جدال، ويسلّمها لمرافقه الإندونيسي لتسديدها من حسابه المصرفي حسب فهمي لإشارات الرجل للإندونيسي.. وآخر يأتيه يشتكي الإيجار، وارتفاعه، وعدم قدرته على دفعه، فينصت بكل هدوء، ويسأل رفيقه الآخر الباكستاني الجنسية، ثم يوجّهه بتسديد الإيجار، ويُهدّئ في بشاشة من حالة الشخص المحتاج. * حالة ثالثة شاب ثلاثيني يبدو أنه من مقيمي المدينة المنورة، المولدين فيها، وعلى وجهه سمة تدل على بساطة عقلية، يطلب من الرجل المحسن مبالغ لشراء ملابس، فيعطيه دون تساؤلات، فيعود الشاب ليسأله المزيد بلغة عامية «والحوائج الداخلية» وهي في لغة أهل الحجاز الملابس الداخلية، فيزيده الرجل، وكأنه ابن له دون تذمر أو تأفف. * حالة رابعة، رجل يبدو أنه من أهل الشام، وله حاجة إلى وساطة قبول في جهة تعليمية، يشرح للرجل المحسن ظروفه، ويطالبه بالتدخل، فلا يرده، بل يكتب على الأوراق بما يرضي السائل كما ظهر في تقاسيم وجهه، وفي كلمات الشكر التي وجهها للرجل المحسن. * الروح الإنسانية الرفيعة التي كان عليها الرجل المحسن جعلتني أكرر مع نفسي وبإعجاب شديد: هكذا تكون النفوس العالية، والهمم الراقية، عندما تفعل الخير بدون مَنٍّ، أو عصبية، أو مجادلة، أو ترديد: النظام لا يسمح، أو سأرى ما يمكن فعله.. فالموضوع صعب جدًا إلى آخره. * لا أعرف الرجل الذي أكتب عنه اليوم، ولا حتى اسمه، ولم أسعَ إلى معرفة ذلك؛ حذرًا من إحراجه، وما أكتبه اليوم هو شهادة للتاريخ لرجل أدعو العلي القدير أن يجزيه خيرًًا على أفعاله، ونفسه العالية، وأن يجعله نموذجًا لكل مَن أراد فعل الخير بالطريقة الصحيحة. فاكس: 6718388 – جدة aalorabi@hotmail.com