يَكثُر الاهتمَام بإدَارة الوَقت، والإدَارَة المَاليَّة، وإدَارة المَوَارِد البَشريَّة، ولَكِن مَاذَا عَن الإدَارَة؛ التي يَغفل عَنهَا الكَثيرُون، وهِي إدَارة العَوَاطِف والانفعَالَات..؟!

‏حِينَ الاطِّلَاع عَلَى كُتب التُّرَاث، والسِّيرَة النَّبويَّة، نَلحَظ الاهتمَام النَّبوَي بإدَارة العَواطِف، حَيثُ نُقِلَ عَن «ابن مسعود»، أَنَّه قَال: قَالَ رَسول الله -صلَّى الله عَليه وسلَّم-: (فَمَا تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِيكُمْ)، قَالَ قُلْنَا: الَّذِى لاَ يَصْرَعُهُ الرِّجَالُ، قَالَ: (لَيْسَ بِذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ الَّذِى يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ)، رَوَاه «مسلم»..

‏وإدَارة المَشَاعِر والانفعَالَات؛ مِن الأُسَس التي يَقوم عَليهَا الذَّكَاء العَاطِفي، وهِي عَلَامَة مِن عَلَامَات النُّضج، ولَا تَقتَصر فَقَط عَلَى إدَارة المَرء لمَشَاعِره، بَل حَتَّى وصُوله لفَهمِ مَشَاعر الآخِرين، ومُرَاعَاتهَا، ‏ولَكن ضَبط وإدَارة المَشَاعِر لَا تَعنِي قَمعهَا، إنَّما تَقبُّلها، والحَدّ مِن سيطرتهَا عَلَى أَفعَالِك، لأنَّ المَشَاعر السّيِّئة هي جُزء مِن الحيَاة، وحِينَ تَوجيههَا بالشَّكل المَطلُوب؛ تُسَاعدنَا عَلَى النِّمو، وتَجعلنَا أَكثَر قوَّة..!

عَدَم القُدرَة عَلَى إدَارة المَشَاعِر والتَّحكُّم فِيهَا، سَبَبٌ للكَثير مِن الاضطرَابَات النَّفسيَّة، ‏ويَجعلك غَير قَادِر عَلَى التَّعبير عَن نَفسِك، ‏ويَتِّجه البَعض لمُحَاوَلة إدَارة مَشَاعرهم وعَوَاطفهم؛ بطَريقةٍ خَاطِئَة، فيَلجَؤون لإنكَار أَو تَنَاسِي مَا يَشعرُون بِهِ، وقَد يُؤدِّي بِهم للإدمَان، أَو إيذَاء النَّفس، حَتَّى يَتجَاهَلُوا مَشَاعرهم..!

هُنَاك طُرق وأَسَاليب صحيَّة، للتَّعَامُل مَع المَشَاعِر والانفعَالَات، مِن أَهمّهَا التَّوقُّف، فحِينَمَا يُسيطِر عَليك شعُورٌ جَارِف كالغَضَب، «تَوقَّف عَن الحَركَة، واصْمُت تَمَامًا»، وقَد جَاء ذَلِك فِي الهَدي النَّبوي؛ عِندَمَا قَال رَسُول الله -صلَّى الله عَليهِ وبَارِك-: (إذَا غَضِبَ أَحدكُم فليَسكُت)..

ومِن الأمُور التي يَنصَح بِهَا عُلمَاء النَّفس، للسّيطَرَة عَلَى الانفعَالَات، تَمَارين التَّنفُّس، حَيثُ لَهَا أَثرٌ كَبير فِي تَهدِئَة النَّفْس، والاسترخَاء، كَمَا أَنَّ تَمَارين المَشي لَهَا فَائِدَة كَبيرَة؛ فِي تَحقيق الهدُوء وتَصفيَة الذِّهن..

حَسنًا.. مَاذَا بَقي؟!

بَقي القَول: إنَّ مِن الحِكمة أَنْ يَملُك الإنسَان نَفسه، لَا أَنْ تَملكه نَفسه، وأَن يُروِّض مَشاعره، دُون أَنْ يَحرمهَا حَقَّها فِي التَّعبير، وحَتَّى يُحقِّق ذَلك، عَليهِ أَنْ يَبتَكر «إدَارة» بَينه وبَين نَفسه، اسمها: «إدَارة المَشَاعِر والأَحَاسيس والانفعَالَات».