يمتلك عزيزنا السيد إياد مدني ذائقة أدبية رفيعة، وحسًّا نقديًا متميزًا. وعلى الرغم من انشغاله بالمناصب الإدارية؛ إلا أنه ظلّ حاضرًا في المشهد الثقافي والفكري والأدبي. وفي هذا السياق يشير الأكاديمي الدكتور معجب الزهراني في سيرته الذاتية «سيرة الوقت حياة فرد حكاية جيل» - بحكم أنه قد عمل مسؤولاً عن مكتبة صحيفة عكاظ في باريس سنة 1986م - إلى إعجاب كثير من الشخصيات العربية بالسمات الحضارية والفكرية التي تنطوي عليها شخصية المثقف إياد مدني، فهم -كما يذكر د.معجب- كانوا يكتشفون في إياد مثقفًا كبيرًا يدهشهم بمداخلات هادئة، وتعليقات ذكية لكل ما يحدث في المنطقة العربية.

وقد أهديت أخيرًا إلى أبي مازن كتابًا يدخل في باب الأدب المقارن، ويحتوي على ترجمات من الأدب الغربي إلى الأدب العربي، قام بها الباحث والأستاذ الكبير الدكتور وليد ناصر عرفات -رحمه الله-، والذي كان يعمل أستاذًا للأدب العربي بجامعتي لندن ولانكستر، وتخرّج على يديه عدد من الأكاديميين المتميزين، يأتي في مقدمتهم من بلادنا: منصور الحازمي، وحسن باجودة، وحسن شاذلي فرهود، رحمه الله.

وفي لقاء خاص جمعني به في داره؛ سمعت إياد يُردد وبصوت عالٍ رائعة الشاعر الإنجليزي وليام شكسبير [1564 – 1616م]، والتي يقول مطلعها:

Shall I Compare Thee To a Summer’s Day

Thou Art More Lovely And More Temperate

وترجمة ذلك وما لحقه من أبيات أخرى، برؤية عرفات:

أوَترضين يوم صيف شبيهًا

أنت أبهى من يوم صيف وأعدل

كم يقاسي غضّ البراعم في الصيف

إذا الريح نكّلت ما تنكل

وزهيد في طوله أمد الصيف

قصير عن أمنيات المؤمّل

وتسير أبيات هذه القطعة الرومانسية الرفيعة على هذا النمط من القوة والمتانة والجزالة.

وتأتي المقطوعة الأخرى لتؤكد على النهج نفسه الذي اتخذه الباحث والأكاديمي وليد عرفات، الذي كان يتقن اللغات اللاتينية والفرنسية والإنجليزية، بالإضافة إلى لسانه العربي المبين، معبرة عن ذوقه الرفيع في اختيار تلك المقطوعات الغربية، وإلباسها لباسًا عربيًا يعبر ويجسد قدرته على الاستفادة من معطيات آداب الأمم الأخرى بدراية وتمكّن قد تصعب على كثير من الباحثين والمتخصصين في الأدب المقارن، يقول مطلع القطعة الرومانسية الأخرى، بلسان شاعرها شكسبير:

When in disgrace with fortune and men’s eyes

I all alone beweep my outcast state,

وترجمة ذلك بالعربية وما تلاه على رؤية عرفات كما يلي:

عندما ابتلى من الحظ سخطاً

وألاقي من أعين الناس شذراً

فأواري عن أعين الناس دمعي

باكيًا وحشتي وأندب سراً

عبثًا أُسمع الناس صراخي

إن في أذنها عن السمع وقراً

ولعل عزيزنا السيد إياد، والذي ينتمي إلى أسرة أدب وعلم، لم يطلع على هذا النص الأخير، الذي قام أستاذنا عرفات -رحمه الله- بترجمته من اللاتينية إلى العربية، وكان آخر نص استلمته منه في عام 1991م، يقول النص:

فلنعش للحب يا ليلى

على مر الأهلهْ

إن تقريع شيوخ الحي

لا يبلغ نكْلهْ

تطلع الشمس وتمضي

رحلة من بعد رحلة

ولنا نحن حياة

طولها أقصر وهلهْ

ثم نمضي في سبات

طوله أطول رحلهْ

فتعاليني قبِّليني

مئة بل ألف قبلة

ثم هاتي مئة أخرى

وألفًا ثم مثلهْ

فإذا ما شَفَتِ الآلافُ

من لثمك غِله

فاخلطي الأعدادَ حتى

تظهر الآلافُ قله

حذرًا أن يعرفَ الواشي

فنستهدفَ عذله

وتعالي نبتدئ حالاً

بألف مستقلهْ

إني على ثقة من أن هذه الأبيات المترجمة ستفعل فعلها في خاطر السيد إياد، بما أعرفه عنه من عشق ومحبة للأدب، فلعله يجد فيها ما يروي ظمأه، ويشحذ خاطره، فقد اشتقنا لحروفه الندية، وكتابته الرصينة القوية.