يعلق الفرنسي جان فرانسوا ليوتار فيلسوف ما بعد الحداثة الشهير على عبارة لهيجل عن وظيفة الفلسفة في حياة البشر يقول فيها: «عندما تتلاشى القوة الموحدة لحياة البشر وتفقد التناقضات علاقاتها وتفاعلاتها الحية وتحصل على استقلالها الذاتي تنشأ إذن الحاجة إلى الفلسفة».. يعلق ليوتار على هذه العبارة قائلاً: «هذا جواب واضح كل الوضوح على سؤالنا: (لماذا نتفلسف؟!).. كما لا ننكر الحاجة إلى الفلسفة لأن الوحدة أصبحت مفقودة ولأن أصل الفلسفة ما هو إلا فقدان للوحدة وموتٌ للمعنى».

يشير رأي هيجل وتعليق ليوتار إلى دور الفلسفة المتجدد مع تجدد ظروف المجتمعات، وتطور البشرية، فالفلسفة لم تكن علماً متعاليًا في يوم من الأيام، أعتقد أنها بريئة من هذه التهمة.. ذلك أن الفلسفة مجال قوامه السؤال، والغوص في عمق الظاهر.. لا يكتفي الفيلسوف دوماً بالسائد من الأمور، ولا الأجوبة المغلفة.. تجده في حالة قلق دائم باحثاً عن الحقيقة، يرفع الغطاء خلف الغطاء، وينبش السؤال من السؤال.

أعتقد أن المادة الخام للفلسفة هي أحد الأسباب وراء غموض الفلسفة، واتهامها بالتعالي أحياناً، فمادة الفلسفة هي «الوجود» بكل ما يكونه... والوجود مؤثثٌ بالأسئلة، بالظواهر غير المدركة، بالغيبيات والميتافيزيقيا.. من هنا حاولت الفلسفة الحفر في عمق الظواهر، والبحث في مدارات الوجود للإجابة عن الأسئلة المرتبطة بالوجود، وتحديات البقاء، وصراع الإنسان مع الفناء، ورحلته نحو الخلود.. وليوتار نفسه يقول: «إن حقيقة الفلسفة تنم فقط عن لا واقعية الواقع... وتنجم عن النقص الذي نكابده في الواقع».

دعونا لا ننس –فقط- أن الفلاسفة منذ البدايات الأولى للحكمة كانوا رياضيين، وعلماء إنسان، وأطباء، وعلماء اجتماع، وأدباء، ونقاداً أدبيين، لذلك لا تزال هذه المجالات مرتبطة بالفلسفة (بشكل أو بآخر).

هناك نقطة مهمة لدى الفلسفة؛ فهي تصل للنتائج عن طريق المنهج الصحيح.. الفلسفة تُعلّم الإنسان طريقة التفكير المنطقي، ليصل إلى أحكامه وقراراته معتمداً على العقل.. العقلانية هي قوة الفلسفة وأساسها المنهجي.. أتذكر هنا حوارات سقراط (وتضحياته)، وحوارات إفلاطون، وأعمال أرسطو العظيمة.. ثم بالضرورة يمر علي الفارابي وابن سينا وما قدماه للفلسفة، ثم الغزالي ومنهجه في التحليل، ويصر ابن رشد أن يكون في رأس هذه القائمة من عظماء الفلسفة والفكر عبر التاريخ.

انظروا ماذا قدم ديكارت للبشرية، برسالته في المنهج التي أصبحت أساس المنهج العلمي الحديث الذي نتحدث عنه اليوم، وماذا قدم إيمانويل كانت بتحليله لعمليات العقل وإصدار الحكم، وكذلك صفحة هيقل التي نقلت البشرية لمرحلة جديدة من التفكير جعلت العصر الحديث يقطف أثمن ثماره، ثم انعطافة التاريخ التي كان خلفها كارل ماركس.. حين قلب المعادلة ليفتح باباً جديداً لفهم العالم وظواهره ومشاكله.. وهكذا فعل هوسرل وهايدقر من بعده بالمنهج الطاهراتي الذي رفع مستوى الإدراك البشري للوجود لمرحلة لم تسبق من بعد، واستمع لهابرماس وهو يتحدث عن خلاصة تجربته الفلسفية والمعرفية لتعلم كيف تقود الفلسفة ويقود الفلاسفة الفكر الإنساني عبر التاريخ.

نعم يمكن -بل يجب- أن تُدرّس الفلسفة في مدارسنا وجامعاتنا لأنها المجال الذي يكرّس منهجية التفكير المنطقي لدى الأجيال، من شأن تدريس تاريخ الفلسفة، وقضاياها، وأسئلتها، وأفكار أعلامها أن يرفع مستوى التفكير النقدي لدى الطلاب والطالبات، وهو ما سيقود إلى ترسيخ المنهجية الصحيحة لديهم ليقودوا عجلة التنمية بناء على أسس علمية، يتحكم فيها العقل والعقلانية، ولا تسيطر فيها الميتافيزيقيات، أو الأهواء والخرافات.