دائماً ما يُقال في الإعلام: ذوو الدخْل المحدود، ذوو الدخْل المحدود، فمن هم يا تُرى ذوو الدخْل المحدود؟ هذا سؤال أطرحه على نفسي، وعلى كلّ الخاصّة والعامّة!.

شخصياً، لا أعتقد أنّهم هم الفقراء، فدخْل الفقراء شبه مفقود، بينما الدخْل المحدود موجود لكنّه يقع ضمن حدود لا يتجاوزها، سواءً من الأعلى أو من الأسفل، وقد تتغيّر الحدود من عصرٍ لآخر حسب الظروف الاقتصادية والاجتماعية.

كما لا أعتقد أنّهم هم العاطلون عن العمل، فدخْل هؤلاء مفقود.. مفقود.. يا ولدي كما قال شاعر الحبّ نزار قبّاني وصدح به عبدالحليم حافظ!.

ولا أعتقد أيضاً أنّهم هم صغار الموظّفين، سواءً في القطاع الحكومي أو في القطاع الخاص، فدخْل أولئك وإن يكن محدوداً في وقتٍ ما لكنّه قد ينمو بالعلاوات والترقيات والعمل خارج أوقات الدوام والانتدابات، إلخ إلخ، بل حتّى بالفساد غير المشروع لدى بعضهم رغم رفضي للفساد ودخله الحرام!.

إذن من هم ذوو الدخل المحدود يا سادة يا كرام؟ بعد تفكير عميق أعتقد أنّهم هم المتقاعدون، لأنّ دخْلهم ثابت لا يتغيّر، وقد نقص أصلاً عمّا كان عليه وقت الوظيفة، فضلاً عن إلغاء كلّ بدلاتهم المالية مع تقاعدهم، وليس في التقاعد علاوات، ولا ترقيات، ولا عمل خارج أوقات الدوام، ولا انتدابات، ولا حتّى فساد.. مرّة أخرى رغم رفضي للفساد ودخله الحرام، فضلاً عن صعوبة أو شبه استحالة إيجاد المتقاعدين لوظيفة أخرى بديلة بعد التقاعد، وصعوبة تحمّلهم لتكاليف مزاولة التجارة، فحديثو التخرّج من صغار السنّ يجدون صعوبة في التوظّف فما بالكم بالمتقاعدين كبار السنّ؟ والمُحصّلة هي دخْل محدود للمتقاعدين بنسبة تغيير في الدخل هي صفر مئوية، ويثبت راتبهم المحدود من لحظة التقاعد من الوظيفة إلى لحظة التقاعد من الحياة، وهكذا فإنّ المتقاعدين هم ذوو الدخْل المحدود بكلّ جدارة واستحقاق!.

ومع هكذا حال للمتقاعدين، ألا يجدر بنا إعادة النظر في أحوالهم؟ بتخفيف المشقّة الناتجة عن محدودية دخْلهم عليهم، بأن -مثلاً- نزيد رواتبهم، ونمنحهم نسبة تخفيض جدّية لا تقلّ عن ٥٠٪ على تكاليف الخدمات الحكومية، والعلاج، والنقل الجوّي والبرّي والبحري، والاستفادة من المرافق العامّة كالمطارات والموانئ، والترفيه والرياضة وغيرها، بما يُزيح حبل هذه المشقّة من حول أعناقهم، كحقّ قد اكتسبوه حال بلوغهم سنّ التقاعد، وإطلاق مُسمّى «كبار المواطنين» عليهم، ولا يحتاج الأمر للتذكير بأنّ الاتجاه الوحيد لتغيير تصنيف دخلهم هو للأسفل، أي تحوّلهم لفقراء وهذا لا يرضاه المجتمع إن كان يرأف بحال هذه الشريحة الكبيرة من المواطنين.