· هل تعجبت -عزيزي القارئ- يوماً من منظمات تطبق فيها أحدث نظريات الإدارة؛ ومع هذا تنتقل من فشل إلى فشل؟!.

وهل تساءلت عن أسباب تراجع وتدهور مؤسسات تعمل ظاهرياً بكامل طاقتها وعتادها دون سبب مفهوم؟!. حسناً دع عنك كل كتب الإدارة وأدبياتها، وتعالَ معي الى قاعدتين قرآنيتين عظيمتين يغفل عنهما كثير من الناس مع أنهما أساس الكفاءة المهنية لأي عمل، أولاهما قوله تعالى «إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِين» ثم قوله عز وجل : «قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ». الأولى تؤكد أن القوة والأمانة هما جناحا النجاح العملي في أي مهمة، تعززهما الثقة والعلم كما جاء في الآية الكريمة الثانية.. ولا أريد أن أحيلك إلى حقائق علوم الإدارة لتأكيد صحة تأثير هذه الصفات، فكلام العزيز الحكيم هو أصدق الكلام وأثبته، لكنك لو قلبت النظر في واقع أي منظمة، وراجعت سجلات إداراتها لوجدت أن أعظم الخطوات والنجاحات والتحولات الكبرى فيها تمت على أيدي أناس تميزوا بـ(القوة والأمانة) ثم بـ( الثقة والعلم).

· القوة وحدها لا تصنع قائداً ناجحاً، ولا تصح ما لم تضبطها وتقننها وتوجهها الأمانة، فبالأمانة تصبح قوة خير لا قوة شر وبطش أو قوة خبط عشواء.. ومفهوم القوة المنضبطة بضوابط الأمانة لا يعني الحزم والجرأة في الحق فقط، بل هو أوسع وأشمل من هذا بكثير، فهو الذي يرفع القائد عن خيانة الأمانة وسوء استخدام السلطة، ويقفز به فوق سقطات المصالح الخاصة، والعلاقات الشخصية، ينزهه عن كل التوجهات العصبية والمناطقية والطائفية الى ما فيه خير الناس وحفظ حقوقهم ومصالحهم.. لأن ‏الرئيس الضعيف بالمقابل هو غير أمين بالضرورة، فوقوعه تحت حماية قطعان المنتفعين الذين ييممون وجوهم شطره.. يجعله لا يقوى على إصلاح خطأ، ولا يجسر على دفع مظلمة، أو نصرة مظلوم، وكيف يفعل هذا وهو واقع تحت سيطرة ثعالب المناصب، لا يسمع إلا لهم، ولا يقبل نقداً إلا منهم (على افتراض وجود نقد بينهم).

· إن الصلاح الخلقي أو التعليم العالي لا يعنيان قدرة الإنسان على الادارة، فالقوي الأمين الواثق بحسب معيار التوظيف القرآني هو من يفهم المسئولية على أنها تكليف لا يعني أكثر من خدمة الناس، والإحسان اليهم بقضاء مصالحهم وحفظ حقوقهم.. وقد كان عمر رضي الله عنه يقول وهو القوي الأمين العادل:»اللهم إني أشكو إليك جَلَدَ الفاجر وعجز الثقة». وجلَد الفاجر هي القوة بلا أمانة، وعجز الثقة هي الأمانة بلا قوة.

· أخيراً لا بد من التأكيد على أن القاعدة القرآنية العظيمة لا تقف عند حدود الاختيار أو عند من يمتلكون القرار فقط، بل تشملك أنت أيضاً في كل انتخاب أو اختيار.. فلا تغرنك قرابة أو مصلحة خاصة، بل احرص على اختيار أو انتخاب الأصلح والأكفأ.. لا تستأجر قوياً دون أمانة فيظلمك، ولا أميناً دون قوة فيخذلك!