المقصود هنا نوعان من المعادن، المعدن الأول هو معادن الرجال التي لا تُعرف وتُكتشف إلا في الشدائد والأزمات، وفي الامتحان يُكرم المرء أو يُهان. الشدائد مصنع الرجال وهناك قول ينسب للحكيم (فولتير) «يولد الرجال متساوين مهما اختلف تاريخ ميلادهم لكن الفضائل تصنع الفروق فيما بينهم»، وهناك من يرى أن المحنة تصنع الرجال، ورغد العيش يصنع الوحوش.

حلاوة اللسان والأناقة والأخلاق لا تصنع الرجال، فقط تزينهم. لعل الظروف الحالية التي تمر بها بلادنا سوف تكشف المزيد من النقاب عن معادن الرجال ونُبل مواقفهم تجاه وطنهم وأبنائه وستكون هناك وقفة في هذا الشأن عمَّا قريب. أما المعادن الأخرى التي أستهدفها فهي الثروة الطبيعية التي حباها الله لهذه البلاد المباركة والتي يفترض أن تتبوأ المركز الثالث في إيرادات الدولة بعد النفط والبتروكيماويات وقد بلغ مساهمة التعدين في الناتج المحلي الإجمالي 64 مليار ريال، وهذا الرقم مرشح لأضعافه خلال الأعوام القادمة.

في الأسبوع الأول من مارس انعقد في جدة المؤتمر الجيولوجي الثالث عشر وقدم فيه المهندس سلطان شاولي وكيل الوزارة لشئون التعدين وزميلنا في مجلس إدارة جمعية البر بجدة ورقة عمل تضمنت إلقاء الضوء على أفضل خيار للتنوع الاقتصادي وهو الاستثمار في مجال التعدين لاسيما وأن هذه البلاد التي تشكل 70 في المئة من شبه الجزيرة العربية بها موارد ضخمة واعدة تُقدر قيمتها الإجمالية بـ5 تريليون ريال تشمل الذهب، النحاس، الألمنيوم، الزنك، الفوسفات، الحديد، الحجر الجيري، الفضة، رمل السيليكا ومعادن صناعية أخرى بكميات ضخمة وأن المخزون الاستثماري سوف يزيد من خلق 40,000 فرصة عمل، وقد ألقى الضوء على الوضع الراهن الذي أصدر ألفي رخصة وعدد المستثمرين لم يتجاوز ثمانمائة مستثمر. وهناك العديد من المبادرات لرفع مساهمة التعدين في الناتج المحلي من خلال تحسين الإجراءات ووضع الحوافز ودعم صغار المستثمرين وتحديث نظام التعدين وقواعد البيانات. ولعل من يطلع على ورقة العمل والخريطة المصاحبة سوف يتعرف على رؤية المملكة لقطاع التعدين في الناتج المحلي، ولعل في المعلومات التي تم سردها ما يُبشر بأن بلادنا بفضل من الله قد أمنَّ الله عليها بكنوز الأرض وخيرات تدعو دوماً للتفاؤل، ونسأل المولى سبحانه أن يحفظ بلادنا من كل مكروه ويصرف عنا كيد الكائدين والحاسدين، ومرة أخرى في الشدائد تُعرف المعادن.