​شغلت كلمة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز -حفظه الله- التي ألقاها في افتتاح القمة الافتراضية لقادة مجموعة دول العشرين، التي عقدت مؤخراً في الرياض المتابعين وأثارت اهتمام وسائل الإعلام العالمية، لما اشتملت عليه من مبادئ سامية، في مقدمتها أن الإنسان هو محور التنمية، وأساس النهضة، لذلك ينبغي أن تكون مصلحته هي حجر الزاوية في كل جهود الحكومات، وأن تقدَّم على ما سواها من مصالح اقتصادية أو سياسية، لسبب بديهي هو أنه لا قيمة لتلك المصالح ولا معنى إذا لم يكن الإنسان هو المقصود من تحقيقها.​

وفيما ركّز كثير من القادة على كيفية تجنيب العالم مخاطر الركود الذي يهدد الاقتصاد العالمي، كان اهتمام الملك منصباً على ضرورة الاهتمام بمحاربة وباء كورونا لإنقاذ البشرية أولاً، وحتمية مساعدة الدول الأقل نمواً على تجاوز آثار الكارثة، وتوجيه الجهود نحو إيجاد علاج ناجع للفيروس لتقليل عدد الضحايا. كان البعد الإنساني حاضراً بقوة في كلمات الملك وهو يقول في خطابه: «لا تزال هذه الجائحة تخلف خسائر في الأرواح البشرية وتلحق المعاناة بالعديد من مواطني دول العالم»،

هذا البعد الإنساني أكد أن حقوق الإنسان والحرص على مصالحه وضمان سلامته هي في منظور القيادة السعودية ممارسة فعلية، وليس مجرد شعارات ترفع أو كلمات تتكرر، كما هو الحال لدى العديد من الدول التي كانت حتى وقت قريب تتشدق بتلك المعاني العظيمة وكشفت أزمة كورونا حقيقتها.​

اللافت في الأمر هو أن كلمة الملك التاريخية مزجت بين الحذر والتفاؤل، دونما تهويل أو تهوين، فعكست الصورة الحقيقية بكامل أبعادها، ونبهت إلى مواطن الخطر، وأبانت كيفية مواجهته، وشددت على حتمية تكاتف كافة الجهود للوصول إلى الأهداف المنشودة، كما عكست في ذات الوقت ثقته في إمكانية تجاوز هذا المنعطف التاريخي الهام في حياة البشرية جمعاء. وعندما يقول خادم الحرمين الشريفين «نحن على ثقة بأننا سنتمكن معاً بعون الله من تجاوز هذه الأزمة والمضي قدما»، فإن تلك اللغة المتفائلة لم تنبع من فراغ، إنما تعكس بوضوح ثقته في حجم العمل المضني الشاق الذي تبذله الأجهزة السعودية المختصة للقضاء على الفيروس، وقدرة المملكة على تجاوز المحنة، والثقة في الله أولاً ثم في هذا الشعب النبيل الوفي ومقدار وعيه والتفافه حول قيادته والتزامه بما يصدر عنها من توجيهات.​

تلك الكلمات الواثقة المسؤولة أشاعت أجواء من السكينة والاطمئنان في نفوس المواطنين والمقيمين، وزادتهم يقيناً بأنهم في أيد أمينة، وأن قيادتهم الرشيدة لن تدخر وسعاً في سبيل ضمان سلامتهم وصيانة حقوقهم ومكتسباتهم، ولا أدل على ذلك من مقدار الهدوء والسكون اللذين يسودان في الشارع السعودي، رغم إدراك حجم الأزمة ومقدار الخطر، وما يؤكد ذلك هو أننا لم نشاهد في المملكة ما نراه على شاشات التليفزيون من تهافت في معظم دول العالم على شراء المواد الغذائية وتخزينها، وانعدام الأدوية والمعينات الطبية، وندرة في كافة مقومات الحياة، فجميع من يعيشون في هذه الأرض المباركة المقدسة مطمئنون إلى سلامة أمنهم الغذائي.​

ستعبر بلادنا والعالم أجمع هذه الأزمة، وستبقى دروسها عبرة يستفاد منها، وفي مقدمة هذه الدروس أن القيادة التي وهبها الله للمملكة العربية السعودية تعد من أكبر النعم التي أكرم الله سبحانه وتعالى بها مهبط وحيه الكريم وحاضنة حرميه الشريفين، فكم من دول تملك مقومات طبيعية هائلة وثروات ضخمة، لكنها لم تنعكس على حياة مواطنيها لأن قياداتها لم تمتلك حس المسؤولية أو الرغبة في إسعاد شعوبها، على عكس هذه البلاد التي أكرمها الله عز وجل برجال صادقين، هوايتهم السهر على راحة شعبهم ومواطنيهم، وشغلهم الشاغل رفعة هذه البلاد إلى المكانة التي تليق بها، ولأجل ذلك قرنوا الليل بالنهار، وقدموا الغالي والرخيص، ولم يدخروا وسعاً أو جهداً إلا بذلوه، حتى بات فن القيادة السعودية علماً يستحق أن يدرس في الجامعات، وأن تؤلف حوله الكتب والمجلدات، فاللهم لك الحمد على هذه النعمة الجليلة.