من خلال بحثي عن مفهوم «المعرفة»، فهمتُ أنها: «قدرةُ الإنسان على فهم الحقائق والأحداث، واستيعابها سواءً من خلال المعلومات المُتاحة، أو عبر قُدرته على تحليل التفاصيل أو التجربة الشخصية، أو الاستفادةِ من تجارب وخبرات السّابقين في عصره وغابر التاريخ.. وتحتاجُ المعرفة إلى ذكاءِ الفرد، ورغبتهِ في الاكتشاف والبحث وراء كلّ ما هو جديد ومُحاولة تطوير ذاته، فضلاً عن قدرته على الاستفادة من المعلومات والأدوات العلمية المتوفرة لديه».. ويعرّف أفلاطون «المعرفة» بأنها: «الاعتقادُ الصّحيح المُبرّر».

إنّ وفرةَ المعلومات وسهولةَ الحصول عليها، لا يعني بالضرورةِ ارتفاع مستوى الوعي والإدراك لدى أحدهم، فكثيرون مُصابون بأدلجة تقليديةٍ ومُمانعة شديدةٍ ضدّ المعرفة، ورفضٍ عجيب من التحقّق من معلوماتهم وفهمهم، فالتعليمُ التقليدي في المجتمعات المتخلّفة فكرياً، اعتمدَ على الحفظ والترديدِ والتلقين والتقليد، وإهمالِ القدرة على ربطِ المعلومات المُختلفة، وفنّ استنباط النتائج من المُعطيات المتوفرة والتراكم المعرفي.

يصفُ الدّكتور (علي الوردي) المناخَ الفكري في عصر (ابن خلدون): «وعُدّ الأساتذةُ القُدماءُ أناساً استثنائيين ومؤلّفين لا يُمكن تقليدُهم، وكانت الفكرة السّائدة، هي أنّ كلّ شيء قد اكتُشِف مُسبقاً، وليس ثمّة شيءٍ جديدٍ تحت الشّمس».. وما يُؤكّد هدْر قيمة المعرفة فـي المجتمعات المُتخلفة، عدم قدرة الفرد فيها على التفكير بحرّية، وضعف اطّلاعه على العلم بالرغم من توافره بغزارة، فهو إنسانٌ مهدورٌ فكرياً مهزومٌ نفسياً فاقدٌ لهويّته، فالحضارة الحقيقية تقومُ على توفّر مناخٍ يُشجّع على المعرفةِ العميقة وحرّية الرأي والاجتهاد والابتكار، واعتبار الجهلِ أقرب للإنسان من العلم، ونتيجةً لذلك، يبذل ما بوسعه ليتشكّك ويفهم ويناقشَ ويكتشف ويـُخطئ ويتعلّم.. يقول (ابن خلدون): «شعورُ الإنسان بجهله، ضربٌ من ضروبِ المعرفة».

يصفُ (الدكتور محمد شحرور) ما أسـماه «الطغيان الفكري» بقوله: «فأصبحنا نفوّض إلى الآخرين التفكير عنا، ونأخذُ ما قالوا دون مُناقشة، فالمهمّ عندنا من قال، وليس ماذا قال، لأنّ فكرنا التراثي مبنيّ على الثقة السّماعية لا على الحجّة العقلية».. ويخشى كثيرون طرْق أبواب المعرفة، لأنّ مدار ذلك مُرتبطٌ في مُعظمه بازدياد المُعاناة الفِكرية والألمِ النفسي، لكنّ هدف ازدياد المعرفة هو الاقترابُ من الحقائق، والتحرّر الفكري والطمأنينة النفسية.. والعجيب، أن «الجهل» -كما يقول (تشارلز داروين)- «في أغلب الأحيان، يجلبُ الثقة أكثر مما تفعلُ المعرفة»!! كما من الضروري أن نفهم ما قاله (جان جاك روسو): «إنّ المعرفة لا تولّد الأخلاق، والأفرادُ المثقفون ليسوا بالضرورة أُناساً صالحين»!.