ما أتناوله هنا، لا يعدو مُجرّد خطراتٍ من مُشاهدٍ عادي غيرِ متخصص يتوقّع احترامَ عقله وذوقه الفنّي ومشاعره الإنسانية، ويرغبُ في وجبةٍ مُسلّية مُبتكرةٍ مُشبِعة بعيدًا عن السّماجة والابتذال، وبمنأى عن الترويج للعنف والبذاءة اللفظية والهمجية السّلوكية تحت مُسمى «الترفيه»، إذ لا أظن أنّ هناك معايير ثقافيةٍ أخلاقيةٍ أو مقاييس مهْنية واضحة، تـُحدد هوّية بعض المُسلسلات والبرامجِ التلفزيونية التي تُنتجها بعضُ القنوات الفضائية العربية، وتعرضها على الجمهورٍ في أوقات الذّروة، واجتماعِ العائلة.

وبعد تأمّل وتفكّر، رأيتُ أن دافعَ استمرار إنتاج تلك المُسلسلاتِ والبرامج، يبدو ماديًا بحتًا، فالعوائدُ المالية هي المُحفّز، وتوفُّر الرّعاةُ والإعلانات المدفوعة هو المُحرّك، حيثُ يظهر أن المصلحة المادّية فوق كلّ اعتبار. أعلمُ أنّ بعضهم سوف يظنّوني ساذجًا لوصولي إلى هذه النتيجةِ المنطقيةِ المعروفة بالضرورة، ولعلّي كذلك، إلا أنني حاولتُ مقاومة فكرة أن يتمّ الوصولُ إلى الهدف المادّي على حسابي بوصفي مُشاهدًا، فيتمُّ إنتاجُ برامجَ ومسلسلات تستخفُّ بفكري، وتستهينُ بذوقي، وتُعكّر مزاجي، ولا تـُقدّر إلمامي البسيط ببعض مبادئِ التمثيلِ والسيناريو والحوار، وتقنية التصوير وفنون الإخراج من مشاهداتي لعددٍ كبيـر من المُسلسلات والأفلام العربية والأجنبية، وتتجاهلُ قدرتي البسيطة على المُفاضلة بين هذا وذاك، مع مُلاحظة أن المكسَب المادي هدفٌ أساس للمنتجاتِ الفنية الأجنبية أيضًا، لكني لا أرى تلك السّطحية والابتذال حتى في أقلّها مهْنية، بل فرَضتْ نفسها على شاشاتِ المُشاهدين الخليجيين، بالرغم من اختلاف ثقافاتها ولغاتها.

وحتى إشعارٍ آخر، يبدو أن «الجود من الموجود»!! فبعض المُسلسلات مُجرّد تكرار ممجوج، بهويّة تائهة ورسالةٍ ضائعة، أحداثُها «ممطوطة» مُملّة، وحوارها ركيك، بأداءٍ باهتٍ سامج يضجُّ بسخافاتٍ درامية من مجموعة «هواة» اتفقوا على خوض «تجربة أداء» دون تهيئةٍ فنّية أو شهادة مُعتبرة، على الرّغم من الأموالِ الطّائلة المبذولةِ، والفرق بين التمثيلِ والأداءِ، وبين الفنّان والمُؤدّي، وبين المُحترِف والهاوي.

أختمُ بهمسةٍ في أُذن القائمين على تلك المُسلسلات والبرامج: عندما تُثيرون جدلًا شديدًا واستياءً عارمًا وانتقادًا مُتكررًا، في مُحاولتكم السّنوية للفوز بنسبِ مُشاهدةٍ «مليونية»، فليس معنى ذلك أنّ المُسلسل أو البرنامج ظريفٌ أو ناجحٌ أو مؤثّر بالضرورة، بل قد يكونُ سخيفًا أو مُبتذَلًا أو عبثيًا غيرَ مُلائمٍ للعرض، ويعني بشكلٍ مُجرّد، أنّ قناتكم تملك ميزانيةً ماليةً ضخمةً، ودعمًا إعلاميًا لوجستيًا كبيرًا، يـُحسَب عليكم، لا لكم.