هناك الكثير من قصص الحياة من شدة غرابتها، لا تصدق، مع أنها ليست في النهاية إلا صورة من صور الحياة الغنية.. الحياة كقيمة وجودية غير خاضعة لمزاج البشر كيفما كانت أهواؤهم، ولكنها تخضع لمنطقها الخاص، ولا فرق لديها بين غني وفقير، وحاكم ومحكوم.. أي أنها تنتج آلياتها الداخلية التي تجعلها غريبة عنا بغض النظر عمّا يمكن أن نفكر فيه، فتسير في طريقها بمزاجها الخاص، وفق النظام الذي جبلت عليه.. السؤال الكبير هو أننا، نحن الذين ركضنا نحوها بتعطش نصطدم بثنائياتها: إما أن نعيشها كما يفترض نظامها القوي الذي لا عواطف تخترقه وتؤنسنه وفق الذاتيات المختلفة، والقبول بالتالي بمنطقها، أو نسكن خارجها، أي نقبل بالموت الرمزي أو المؤقت، وهو خيار قاس، لأنه يعني بكل بساطة القبول بالنهاية المرة، لأن ذلك سيجعلنا خارج النظم الاجتماعية.. كل حيواتنا تسير في جوهرها وفق هذا المنطق القاسي.. ولنا فيما وقع لهنرييت دونتراغ، عشيقة الملك الفرنسي، رمزية شديدة الدلالة.. لم يكن الملك الفرنسي، هنري الرابع، الذي غير وجه فرنسا بمنجزاته، شخصية عادية.. فقد كان رجل دولة مميز، لكن أيضًا رجلا عاشقًا للحياة بامتياز، الأمر الذي كثيرًا ما وضعه أمام قلق وصعوبات جمة.. عندما توفيت مفضلته غابرييل ديستري، التي كان يحبها، شعر بالفراغ الكبير، وكان قد خرج من زواج عقيم، لم ينجب من خلاله وريثه الذي كان يحلم به.. ارتبط بعلاقة بماري دي ميديسيس، الجميلة، في 1600، ذات الأصل الفلورانسي (إيطاليا اليوم)، لكن مزاجها الصعب وغيرتها جعلته يبتعد قليلا بحثًا عن السكينة التي وجدها في امرأة ظلت مرتبطة به حتى موته: هنرييت دونتراغ التي أصبحت مع الزمن معشوقته المفضلة التي لم يكن يجد راحته إلا معها، خارج الصراعات السياسية والحروب القاسية، وبناء دولة قوية عمل الكثير من أعدائه على تقويضها.. وعدها بالزواج في حالة إنجاب ذكر، فحملت منه في الشهور الأولى لعلاقتهما، لكن القدر كان ضد هذه العلاقة.. فقد ضربت الرعود والعواصف قصرها في فونتينبلو، مما جعلها تلد قبل الأوان، ذكرًا، مات في أيامه الأولى.. فسقط وعد الزواج المكتوب تلقائيًا، فأتم زواجه بماري دي ميديسيس.. في السنوات التي تلت، أنجبت هنرييت من الملك ابنين: غاستون هنري دي بوربون، الذي سيصبح شخصية سياسية ودينية معتبرة، وغابرييل أنجليك دي بوربون، لكن خارج دائرة الزوجية، مع اعترافه بهما.. الابن الثاني كان في سن الدوفان لويس، من زوجته ماري، الذي خلف والده في الملك بعد اغتياله.. مما أوجع كثيرًا هنرييت.. كيف يصل المُلك ابن ماري فقط لأن أمه تملك حصانة الزوجية، بينما لا يصل ابنها غاستون هنري الذي كان ثمرة حب حقيقي؟

حاولت هنرييت أن تقنع الملك بالزواج لكنها لم توفق، وظلت في دائرة المعشوقة التي لا تعني الشيء الكثير في نظام توريث الحكم.. قامت بالمستحيل لوضع ابنها في الحكم في مكان أخيه الدوفان لويس، لكنها لم تفلح على الرغم من المكائد والحيل التي مارستها، لأن هنري الرابع كان قد حسم أمر الخلافة التي منحها قبل اغتياله، لابنه الشرعي، والأكبر من بين إخوته.. كثر أعداؤها إذ وجدت هنرييت نفسها خارج دائرة السلطان.. فلم تجد أفضل من إنهاء حياتها في دير، بينما كان الملك قد قتل في ظروف غامضة، في 14 مايو 1610.. هذا المسار أيضا جزء من منطق الحياة الصعب.. فقد حاولت هنرييت تغير مسار الأقدار لكنها لم تفلح لأن الحياة شاءت غير ذلك، والأقدار التي كان الملك يحرك بعض تفاصيلها قررت ما شاءت.. هناك علامات في الحياة يفترض أن تعلمنا الكثير لكننا لا ننتبه لها.. فقد منحت هنرييت الملك كل شيء لتكون زوجته، وعاشت على وعد وشرط إنجاب وريث، وأنجبته لكن عاصفة رعدية سرقته منها، كانت تلك واحدة من علامات الحياة، بالمقابل، بجهد أقل، وحب أقل أيضًا، أنجبت ماري أنطوانيت الدوفان لويس الذي سيكون ملكًا، بينما ظل ابنها غاستون، الذي أنجبته خارج نظام الشرعية، أي الزوجية، وعلى الرغم من اعتراف الملك به، خارج لعبة الملك.. الحياة لها منطقها الحي، قد تكون ظالمة، لكنها لا تسير وفق شهواتنا دومًا.. الملك اغتيل، بينما اختارت هنرييت العزلة في الدير التي ليست في النهاية إلا صورة لموت مؤقت في غابة الحياة.