يغلبُ على ظنـّي، أنّ مُعظم مُحاضرات ومقتبسات التحفيز وتنمية الذات، تبيعُ الوهم والإيحاء وتثيرُ المشاعر، وضرُرها أكبر من نفعها، وبالنتيجة، تقومُ بتسويق فكرةٍ غيرِ دقيقة عن «الشّغف» وتحقيق «الأهداف»، كما أنّ من الأسهل على المرءِ أن يعيش وهمَ الإنجازِ والمكانة الافتراضية، من أن يُحقّق شيئاً له قيمةٌ حقيقية! ومن ذلك، تأليفُ الكتب الفارغة، والظهورُ المُبتذَل في الإعلام، ومُحاولاتُ التصنّعِ والمزايدةُ في مواقع التواصلِ الاجتماعي، والحرصُ على تجميع شهاداتِ دوراتِ التنمية البشرية وتحفيز الذات.

ويرتكبُ بعض المُنظّرين خطأً جسيماً بإفراطهم في تحفيز الجمهور على التمسّك بشغفهم والقتال لتحقيق أهدافهم، على الرّغم من عدمِ ملاءمة ذلك الشّغف وعدمِ واقعية تلك الأهداف، واختلالِ الظروف النفسيةِ والاجتماعية الخاصة بهم، فيتسبّبون لهم في قلقٍ وتوتّر، وإحباطٍ غيـر مُبرّر.. فمعظمُ محاضرات «التنمية البشرية» لعمومِ الجمهور، فكرةٌ تسويقية حاولتْ ملءَ الفراغ الحاصل نتيجة تردّد كثيرٍ من المعانين من اضطراباتٍ شخصيةٍ وسلوكيةٍ ونفسيةٍ مزاجية، ومشكلاتٍ اجتماعية، في مُراجعة المختصّيـن النفسيين، واستغلتْ تخوّفَهم من وصمةِ العرض على الطبيب النفسي.

ليس من الحكمةِ تحفيزُ المقهورين والمغلوبين والفقراءِ والكادحين، وأصحابِ الظروف الاجتماعية والاقتصادية والنفسية القاسية وغير المُلائمة، بأمثلةٍ من القلائل المُبدعين الناجحين وبعض الأغنياء والمُتنفّذين، الذين نجحوا لاختلافِ ظُروفهم ومواهِبهم عن كثيرٍ من المحرومين.

إنّ ما يُسمّى «الشغف»، قد يكون وسواساً قهرياً يستحوذُ على الإنسان، نتيجةَ الاعتقاد بضرورة التضحية من أجله بكل نفيس، والظنّ بأنه الهدف الأسمى للحياة، فجملة «لا تفقد شغفك» قد يُساء استخدامُها أحيانًا، فظاهرها جيّد ومُحفّز، لكنّ باطنَها يتغلغلُ في الّلاوعي، ليُحمِّل الوعْي فوق ما يُحتمل، ويضعُ على كاهل الإنسانِ عبئاً كبيـراً، فالشّغف ليسَ مُرتبطاً بالسّعادة بالضرورة، بل قد يجلبُ التّعاسة، نتيجةً لارتفاع سقفِ التوقعات في ظلّ ظروفٍ غير واقعية، لا يتمتّعُ معها الإنسانُ بمواهب تؤهّله للسّعي خلفه والحصول عليه، كما أن تكريس فكرتيْ أن الإيمان القوي بالأحلام يجعلها تتحقّق، وأن الأهدافَ العالية يُمكن الوصول إليها، قد يكونا أساساً لكثيـرٍ من تجاربِ الفشل وخيبةِ الأمل.

يقولُ (إرنيست هيمنجواي): «منذ طفولتى وأنا أصلُ إلى ما أُريد، لكنني أصلُ وأنا مُنهكٌ بالقدْر الذي لا يجعلني أفرح، وكأنّي أُريدُ أن أصلَ لأستريح.. أستريحَ فقط».. وأختمُ بقولي: لا بأس أنْ تفقدَ الشّغف مع الهدف، المهم أن تُحافظ على النّزاهة، وألّا تفقد مشاعرَ السّعادة والاطمئنان.