يخلط البعض بين المديح الذي هو قرين التزلّف والمداهنة، وتصوير الأمور بعيدًا عن حقائقها ومآلاتها؛ وبين الثّناء المحمود على الشمائل الحسنة، والأخلاق الرفيعة، التي يكون في تجسيدها تحقيق لدور الإنسان على هذه الأرض.. ويأتي الإحسان في مقدّمة الشمائل والمناقب التي دعت إليها التعاليم الدينية والفلسفات الأخلاقية.

ولقد وطّأت الحديث عن هذا المنحى السلوكي لأدوّن شيئًا يسيرًا عن الزميل معالي الأستاذ الدكتور عبدالرحمن اليوبي، الذي حظي بالثقة وتم التجديد له مديرًا لجامعة الملك عبدالعزيز. ولقد سمعت باسم الدكتور اليوبي للمرّة الأولى من أستاذنا الدكتور رضا كابلي، وهو أحد أعمدة جامعة المؤسّس. وكان الدكتور الكابلي عندئذٍ عميدًا لكلّية الأرصاد، وكان اليوبي وقتها يشغل منصب عمادة كلّية العلوم. ثمّ عرفته عن قرب عندما أضحى وكيلاً للجامعة، في حقبة معالي السيّد الدكتور غازي عبيد مدني. وللأخوّة والصداقة التي كانت تربطني بـ»أبي عبيد» -رحمه الله- تعمّقت معرفتي بالزميل اليوبي، فوجدت أنّ أصحاب الحاجات يدخلون عليه وعلى وجوههم تبدو علامات القلق، ويخرجون من عنده وكلٌّ قد بدت على محياه علامات السكينة والطمأنينة والاستبشار.. فما أعظم المنّة من الله على العبد حين يختصّه بقضاء حوائج النّاس، فإنها منزلة من منازل القبول، وحظوة لا تتأتى للناس إلا على الاصطفاء والمحبة.. إنها خلّة في الدكتور اليوبي غير مستغربة عليه، فمن جالسه على بساط القرب، سيدرك أنه يتمتّع بسمات وأخلاق رفيعة، تكشف عن معدنه الأصيل، وتربيته الفاضلة، فقد زان محياه تواضع يتلمسه المرء منه عفو الخاطر، فلا تكلّف فيه، ولا اصطناع، وإنه ليترك لمحدّثه الفرصة كاملة ليستوفي حديثه، مستمعًا بحواسه، ومنصتًا بكلياته، مشيعًا جوًّا من الألفة بينه وبين محدثه، لتأتي إجابته على كل ما يسأل أو يستفسر عن شيء قرينة بعلم غزير، وكاشفة عن سعة أفق، وتبحّر ومعرفة وثيقة بما يشي بمخزونه الثقافي الثر، ومعينه الأدبي الدفّاق، ورصيده العلمي المعروف.. وإنه لواسع معرفته، ووثيق إدراكه؛ ما يفتئ ينزل الناس منازلهم، ويحفظ لهم حقوقهم، ويعرف قدرهم ومكانتهم.

وشخص بكل هذه الصفات التي أشرت إليها لمحًا، وأتيت على ذكرها خطفًا، لا غرو أن يكون النجاح حليفه في كل ما يسند إليه من عمل، ويوكل إليه من مهام، ولعل سطور التاريخ ستحفظ له صنيعه الباهر في هذه الجامعة الفتية منذ أن تولى إدارتها، فلقد شهدت الجامعة في عهده تقدمًا ملحوظًا، وتطورًا ملموسًا في كافة المناحي العلمية، وكانت حصيلة هذا التطوّر الفوز بالعديد من الجوائز العالمية المرموقة، وعلو اسمها في المحافل العلمية العالمية البارزة، وليس أدلّ على هذه المكانة من مشاركتها الفعالة هذه الأيّام في الأبحاث العالمية حول فيروس كورونا الذي ضرب العالم أجمع وشلّ حركته، فبادرت الجامعة إلى مشاركة العالم بمجهود علمي مقدر، غايته فكّ طلاسم هذا الوباء، والبحث عن علاج ناجع له، ولقاح يقي من شرّه لاحقًا، وإنه جهد كبير يحسب لهذه الجامعة، ولمديرها الدكتور اليوبي.

إن هذه السطور التي أدونها في هذه الزاوية في حق الزميل معالي الدكتور عبدالرحمن اليوبي، ما هي إلا تلويحة تحية، وإشارة اعتزاز، ومبعث شكر وامتنان له على ما يقدمه من عطاء، هو محل التقدير والاحترام، والثقة الموفورة.