تسبب وباء كورونا في تغيير بعض السلوكيات والمفاهيم وترتيب الأولويات في حياتنا اليومية، من أهمها ما يخص تعليم الأبناء، فقد أدى العزل الاجتماعي إلى عدم قدرة الطلاب على الذهاب إلى مدارسهم وجامعاتهم، فقد ذكر تقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو)، تحت عنوان (اضطراب التعليم بسبب فيروس كورونا والتصدي له)، «أن هذا التغيير تسبب في تسجيل رقم قياسي للأطفال والشباب الذين انقطعوا عن الذهاب إلى المدارس والجامعات ولو استمر إغلاق المدارس والجامعات، فسيضطرب تعليم ملايين الأطفال والشباب حول العالم»، وللتغلب على ذلك مكنت الحكومات والهيئات المعنية بالتعليم، استخدام التعليم عن بعد الذي به تجاوزت العديد من المؤسسات التعليمية حول العالم معضلة الحضور، كما مكنتهم من نقل المعلومة واختبار الطلبة دون أي اعتبار للبعد المكاني.

وأذكر وأنا طالب في مرحلة الدكتوراه في كلية العلوم بجامعة ويلز بداية عام 1990م، أي قبل ثلاثين عاماً من الآن، أن قسم الكومبيوتر ونظم المعلومات في الكلية نظم محاضرة ألقاها البروفسور في القسم (ألن جونز) عن أهمية دور التعليم عن بعد في مستقبل العملية التعليمية، وقال المحاضر: «إنه من المتوقع أن تشهد العقود القادمة طفرة في نظم التعليم وأساليبه وأهدافه وسوف يكون - والكلام للمحاضر- الاتجاه العالمي نحو التعليم عن بعد الذي يعتبر تعليم المستقبل».. وقال إن الكثير من القاعات الدراسية والمباني في المؤسسات التعليمية سوف تكون مهجورة، وأضاف مازحاً «وستكون مأوى للطيور والحشرات».. وذكر أيضاً: «أنه بإمكان عضو هيئة تدريس واحد أن يقوم بإلقاء محاضرة للآلاف من الطلاب ليس بالضرورة أن يكونوا داخل مباني الجامعة».. وبعد الانفجار المعرفي والاستخدام الهائل للاتصالات الحديثة وتقنية المعلومات في وقتنا الحاضر، أصبح التعليم عن بعد ضرورة، وحل البريد الالكتروني كبديل للبريد العادي في إرسال المواد والشهادات.. ومن الناحية الاقتصادية فإن التعليم عن بعد يوفر الكثير من الميزانيات التي تصرف عادةً في تجهيز وصيانة القاعات الدراسية وتوفير الكادر التدريسي للعدد الكبير من طلاب التخصصات التي لا تحتاج الى معامل أو مختبرات.. فمن بيانات وزارة التعليم نجد أن متوسط الكثافة الطلابية في الجامعات السعودية في حدود 45 ألفاً لكل جامعة، فلنا أن نتخيل جامعة عدد طلابها 45 ألفاً، يتم تدريسهم متطلبات التخرج النظرية دون شرط الحضور، مع العلم أنه يمكن تدريس هذا العدد الكبير من الطلاب عن طريق التعليم عن بعد حتى في الظروف الطبيعية.. فإذا كان الحال كذلك لجامعة واحدة فكيف هو لأكثر من 35 جامعة بين حكومية وأهلية في المملكة؟.