* بقدر ما أضافته قنوات التواصل من فوائد، وما قدمته من وجه مشرق، إلا أنها حملت في ذات الوقت وجها مظلماً، وحمَّلت الفرد مالا يطيق من تبعات ملاحقته لها، فضلا عما أحدثته من عزلة اجتماعية، أوجدت وبما يلاحظه الجميع من يجلسون مع بعض، وليسوا مع بعض!

* نعم فكل يحلق في عالمه الافتراضي، ذلك العالم الذي (استهلك) الفرد حد (الاختطاف)، فأصبح كل فرد مهووسا بملاحقة عالمه، فما أن يغلق باباً حتى يفتح آخر، وما أن يحاول أن يفك قيده من موقع، إلا وقد طرق سمعه تنبيه بإشعار جديد من موقع آخر، وهكذا دواليك.

* قروب هنا، وحساب هناك، وكم مهول من الرسائل، وكل مرسل يغني على ليلاه، مشارب متنوعة تدخل عليك رغبت أم أبيت، مواقع ودعايات وإعلانات، وكم لا يحصى من التنبيهات، وأنت تعيش في شتات عالمك الافتراضي، تدخل تبحث عن المهم، فيخطفك غير المهم دون أن تدرك، فتجد نفسك متسائلاً: أنا إيش وداني هنا؟!

* تفتح مصحف جوالك، وكل ما تصبو إليه تلاوة خاشعة، فإذا بنافذة تسقط على الصفحة تأخذك من تلابيبك إلى حيث وجهة تخرجك كلياً من جو تلاوتك، يرن جوالك وأنت في صلاتك، فتُسحب إلى حيث التفكير من المتصل، وماذا يريد، تنهي صلاتك لتبادر إلى النظر إلى جوالك، وفي ذهنك ألف سؤال وسؤال، وإن كان من المنزل مباشرة تُسحب إلى حيث توقع المكروه ولاحول ولاقوة إلا بالله.

* يُذاع خبر عاجل، عندها ستكون في مرمى سهام كم هائل من الرسائل، كلها تحمل نفس الخبر العاجل، وليس لك إلا أن تشحذ همتك وقوتك استعدادًا لدخولك في سباق (الحذف) نجدة لذاكرة جوالك، ولكن ذلك محسوب من وقتك، وراحتك، وأولوياتك، وقائمة اهتماماتك، وإن بُليت بمن لا تعلم متى ينام، وأنت تجده على مدار اليوم وهو يُمطرك برسائله، التي ليس له فيها إلا أنه (وسيط) غثيث، فاعلم أنك وضعت أمام اختبار شجاعة فهل تجرؤ؟!

* جيل بأكمله ولد في حضن الجوال، وأجهزة الألعاب فأصبح مشغولاً بملاحقتها، وإن بحثت عن الحصيلة فلا أشك أنكم لا تعرفون ذلك، فضلاً عما يُعد من المسلمات اليومية الثابتة، من رسائل صباحية ومسائية، وما في حكمها أحالتها سطوة النسخ واللصق من قيم سامية إلى مجرد روتين.

* وعن الأسرة في دائرتها الضيقة، فقد ضُربت بفعل قنوات التواصل في مقتل، وأصبح دور الآباء والأمهات مضاعفاً، وما يُصعب من المهمة أمام كثير منهم، أنهم في ذات دائرة (الاختطاف)، وهنالك من جاهد؛ ليبقى متماسكاً، ولكنه ما لبث أن انضم إلى جماعة (المكندسين)، ولكم أن تتأملوا كم شخصا تشاهدونه يجلس دون أن يمتطي صهوة جواله؟!

* ويبقى السؤال هل وُجدت قنوات، ووسائل التواصل أو ما يعرف (بالسوشيال ميديا) لما نحن نستخدمها فيه اليوم، وعلى طريقتنا؟ الواقع يقول إنها وسائل، وأدوات ليس العيب فيها لذاتها، ولكن في كيفية استخدامها، والإفادة منها، ولتحقيق الفاعلية المرجوة من ورائها فذلك يتطلب أرضية صلبة من الوعي بأهميتها، وإحسان توظيفها، ولا يغيب عنكم أن ما يحدث اليوم هو تحديث لواقع (ثقافة الجرائد) بالأمس، وإن كانت النتيجة واحدة، الجديد اليوم أن الغالب الأعم صغاراً وكباراً يعيشون بسبب تلك القنوات في سجن بدون قضبان، ومع ذلك لا يهربون، فياليتهم يفعلون، وعلمي وسلامتكم.