أخيرًا وبعد طول غياب، مضيت بسيارتي في الأوقات العادية المسموح بها في جدة! أوحشني الشارع بصخبه وزحامه، وحركته وحيويته! وبالأمس تحديدًا «الأحد» كان الزحام في جدة على أشده، وكأننا في وقفة العيد، ومن ثم فقد شهدت الشوارع والطرق كثافة غير عادية، جعلتني أسأل نفسي: ترى ما الذي تريده: شوارع وطرق خالية وبلا روح تمشي فيها بتصريح؟ أم شوارع صاخبة ومزدحمة، تمشي فيها بصعوبة!؟

كان أحدهم قد مال أو انحرف نحوي بسيارته بطريقة عجيبة، وكان آخر يحدث بسيارته صوتًا مدويًا، ومع ذلك كنت وسأظل مع الخيار الثاني.. أريدها مزدحمة وصاخبة بكل ما فيها من مظاهر الحياة، وكل من فيها من بشر يسعون لأرزاقهم في كل اتجاه!

وتبقى الأسئلة الصريحة والصعبة: هل ستتغير سلوكياتنا وطريقة تفكيرنا ونظرتنا للحياة بعد زوال أو انقشاع الوباء، أم أنه «داء»؟! هل ستتغير نظرتنا وطريقة تعاملنا مع الآخرين؟! هل سنواصل الضعف أمام المصالح الصغيرة والضيقة، على حساب مصالح المجموعة؟ أم أن التزامنا سيكون هو الجسر النبيل بين الفرد والمجتمع؟!

لقد ثبت تماما أن الالتزام بموجبات الأخلاق وبكل الإجراءات، يجعل المجتمع أكثر تضامنًا وأكثر تكافلا، وأكثر نظافة، وأكثر خيرًا من جميع الجوانب، وفي ضوء ذلك لابد من إعادة الحسابات!

وبعبارة أوضح، والكلام لنفسي أولا، لابد من إعادة النظر في التعامل مع كل الأشياء.. المساجد التي كانت تنادينا وهجرناها، والشوارع التي كانت تحتفي بنا وأهملناها، ومقار أعمالنا ومصادر أرزاقنا التي كنا ندخلها أحيانًا على مضض، وبالجملة النعم التي لم ندري بجمالها إلا بعد حرماننا منها.

أنهيت مهمتي بعد انتهاء مهلة السماح بالتجول، وفي طريق العودة، مستفيدًا بالتصريح، وجدت الشوارع خالية، ولا أحد يشاركني أو يضايقني أو أضايقه، ليتجدد السؤال.. سؤال النفس: ما الذي تريد: شوارع مزدحمة وحياة مليئة بالحركة والسعي الحثيث، أم شوارع خالية، وحياة رتيبة بإيقاع ضعيف؟ قلت نريدها حركة وسعي وبركة وخير لكل البشر، بحق ليلة القدر.