هكذا شاءت إرادة الله أن أمضي ليلا في شوارع جدة أجمل المدن العربية الرمضانية وهي نائمة، وهي التي كانت لا تنام من فرط الفرحة طوال شهر رمضان! لقد كان من اللافت أن الزينات المعلقة في مداخل الشوارع والحارات الشعبية اختفت، وساد الخفوت، فضلا عن اختفاء ألعاب الأولاد أمام البيوت!

في الصباح ندلف الي الجريدة (جريدة المدينة أعرق الصحف السعودية) عن بعد! يقفز كل منا من غرفة نومه أو من مجلسه الي حيث مكتبه في ثوان! أنت الآن أمام مواد وصور وصفحات العدد الجديد، تستطيع أن تقدم كل ما تريد، ولكن مع انعدام البهجة!

صحيح أنك وفرت الوقت والجهد في الوصول الي مقر الجريدة، وما يلزمه من اختيار ملابسك ونحو ذلك، وصحيح أنك تلافيت عناء الازدحام في رمضان، ووفرت وقود سيارتك، لكنك تشعر طوال الوقت أنك في حاجة الي وقود آخر اسمه الحياة!

في المساء، وقبيل إجازة العيد التي تبدأ اليوم، كان اجتماع التحرير في العاشرة مساء كل ليلة. دخلنا الاجتماع "عن بعد" ومستوى "النت" يسمح وحرارة الهواتف كذلك، ورأينا بعضنا البعض، وابتهجنا لدقائق، أو قل لسويعات، لكننا شعرنا بعدها بافتقاد حرارة أخرى.. إنها حرارة التفاعل عن قرب.. تفاعل الجماعة كلها حول رئيسها كفرد!

في السابق، كنت إذا تأخرت دقائق عن اجتماع التحرير، تدخل آسفا ومعتذرا ومتعللا بالزحام.. الآن لا تأخير ولا اعتذار ولا زحام، فقط تفتح جهازك من أي مكان.. لكنك تفتقد أشياء كثيرة تستدعي كثر من ألف علامة استفهام!

لقد قادتنا أجواء كورونا للتعرف على التجربة الأخلاقية في أهمية انصهار الجماعات البشرية سواء في البيت أو في الشارع أو في العمل! نعم قادتنا كورونا أو المفترض أنها قادتنا الي المعنى الجوهري للأخلاق، ألا وهو عدم إلحاق الضرر بالغير لأنه سيضرك! واسداء الخير له ما أمكنك لأنه سينفعك، فضلا عن نبذ الأنانية في كل عمل، حتى نصل جميعا الي مبدأ "أحب لأخيك ما تحب لنفسك"!