* حياة قوسها الأول اليتم والإصرار والكفاح، وقوسها الثاني عامل المعرفة بحضوره الإعلامي ونواصيه ومؤلفاته، يقف الدكتور أحمد عبدالرحمن العرفج، الذي عرفته كما يجب بعد قراءتي لإصداره (المُهمل من ذكريات طالب تنبل)، فوجدت في مشوار حياته ما يستحق أن أفرد له مقالاً خاصاً؛ بغية أن أصل بضيوف هذه الزاوية الأعزاء إلى ذات النتيجة التي وصلت إليها.

* فهذا الطفل اليتيم، الذي قدم إلى الدنيا في ظروف حياة صعبة في مجملها، وظروف خاصة لأم وضعها القدر أمام مسؤولية رعاية طفل يتيم تراه بالدنيا كلها، فكانت نعم الأم ونعم المربية، إنها لولوة العجلان رحمها الله وأسكنها فسيح جناته، وفي ذات السياق كان لعمه حسين وخاله إبراهيم العجلان رحمهما الله، وكذلك لأخيه يحيى الدور الكبير، والهام في حياة هذا الطفل، الذي قضى حياته (رحالة) بين عدد من المدن في ظروف حياة باشرت أثرها في صقل قدرات هذا النشء الصغير، الذي امتهن العديد من المهن منذ أن كان طفلاً، فمن مطير حمام، إلى صاحب صندقة حمام، وبائع شاي وقهوة للحجاج، وبائع حلويات، لينتهي به المطاف إلى حيث ميكانيكي سيارات.

* وفي مسيرته التعليمية فلم تكن بدايتها تنبئ عن طالب يحب الدراسة، فهذا الطالب (التنبل) كما هو وصفه، كان صاحب اتجاهات أخرى فتربية الحمام وبيعه هي شغله الشاغل، لذلك كان صيداً سهلا لشلة فاسدة سولت له الهروب من المدرسة لأربعة أيام متتالية، وحتى لا يفتضح أمره هرّب أخاه الصغير إبراهيم معه، وهل هناك لؤم أكبر من هذا الذي يمارسه طالب (غبي) يستبعد حينها أن يكون شيئا مذكورا في يوم ما.

* طالب يحتفل بنجاحه ويوزع الحلوى ثم تكون المفاجأة أنه (الراسب) الوحيد بين 94 طالباً، طالب متعثر دراسياً اسمه ضيف دائم للجنة الرحمة، تم تحويله بسبب سنه إلى القسم الليلي، وهو في الصف السادس، ثم يعاد إلى الدراسة الصباحية، ولكن بشروط مغلظة، يعود بمهام طالب ضخم الجثة، يكلف بمسح السبورة، ومسك الخريطة، والفلكة، بل وبشم روائح الصغار.

* وفي مسيرته التعليمية، أجد أن للمعهد العلمي بجدة، الذي كان أشبه ما يكون (بجامعة مصغرة) كشأن المعاهد العلمية أنذاك، الدور الكبير في انتشال هذا (التنبل) من براثن الضياع إلى بداية تشكل عامل المعرفة القادم، الذي أصبح في يوم ما يضحي بكل شيء؛ لأجل طلب العلم والعلم فقط.

* طالب كان تنبلاً ثم أصبح (الثاني) في ترتيب أوائل الناجحين، طالب كان ينام تحت سرير أخيه، ويكابد مشقة الحياة، وظرف اليتم، وكثرة الترحال، وجد البيئة التعليمية الملائمة، والمعلم المحفز، والصديق الصالح، فانطلق لا يلوي على شيء، أصبح معلماً لأربع سنوات، ولم يجد نفسه كما يجب، يمم تجاه الأمن فأصبح ضابطا (أد الدنيا)، ولكن هاجسه هناك حيث منهل العلم، وهاجس الاستزادة منه.

* البكالوريوس، وما بعدها في مسيرة عامل المعرفة، لم تكن مفروشة بالورود لشاب طموح، كان ينام لأيام في سيارته، وصاحب أمل يغادر أحد المناقشين لرسالته في الماجستير (التي لم يستلم وثيقتها إلى اليوم) قبل أن يتم المناقشة، وجملة من (النكبات) ترافق مسيرته في مرحلة الدكتوراه في بحث كتبه أربع مرات، ونوقش فيه ثلاث مرات، وبينهما الكثير من المفارقات المؤلمة حد السكن في الكنسية، وإحباط إغلاق القسم، والكثير الكثير من المواقف التي تدفع نحو (الانتحار).

* ومع كل ما سبق من عثرات إلا أنه كان رجلاً واثقاً من نفسه من صغر سنه، ولا أدل على ذلك أن يسافر بمفرده مع صاحب تاكسي من المدينة إلى القصيم، وقد تكفل بأجرة السيارة كاملة، فكيف لابن الخامسة عشرة أن يتوجس خيفة من هذا المشوار الطويل، وهو من هو في (الصياعة والضياع) كما يصف نفسه.

* هذا موجز ما خلصت إليه من انطباع بعد قراءتي لكتاب الصديق العزيز عامل المعرفة أحمد العرفج، الشخصية الإعلامية الفاعلة، الإيجابية، التي تحث على المعرفة، وتدعو إلى القراءة، كما هو تواصله من خلال ساعة قراءة، دون أن يغفل أهمية الصحة البدنية، وبرنامجه اليومي المشي مع العرفج؛ ليقدم عامل المعرفة أحمد العرفج نفسه كما هي حياته (مجموعة إنسان) جدير بأن يكون شخصية مقال، وعلمي وسلامتكم.