ترقب كبير يسود المجتمع السعودي بعد تقليل ساعات الحظر، والسماح باستئناف النشاط الاقتصادي وعودة العمل في مؤسسات القطاعين العام والخاص، عقب توقف استمر لما يزيد على شهرين ونصف، بسبب جائحة كورونا وما استلزمته من إجراءات لمحاصرة الفيروس وتطويقه ومنع انتشاره.. وعلى الرغم من مشاعر الفرح التي تسيطر على الكثيرين إلا أن هناك حقائق لابد من إدراكها ووضعها في الحسبان، في مقدمتها أن هذه الخطوات لا تعني انتهاء التهديد الذي يمثله الفيروس على الصحة العامة، فهو لا زال موجودًا، رغم النجاحات الكبيرة التي حققتها السلطات المختصة في مقاومته والقضاء عليه.. لذلك فإن التعامل الاجتماعي والاقتصادي خلال الفترة المقبلة يجب أن يكون حسب الاحترازات والتدابير التي حددتها السلطات المختصة.

كذلك فإن من الضرورة الإشارة إلى أن الأضرار الاقتصادية للجائحة لن تنتهي بين عشية وضحاها، وأن عجلة الاقتصاد، في كل العالم، لن تعود إلى الدوران بنفس الوتيرة التي كانت عليها قبل ظهور المرض إلا بعد مضي عدة أشهر، وربما يستمر الأمر حتى نهاية العام الحالي، حسبما أعلن كثير من المختصين، لذلك على العاملين في القطاع الخاص عدم استعجال تحقيق الأرباح السريعة، والنظر بعين التقدير إلى الدعم الكبير الذي قدمته الدولة للمؤسسات والشركات الخاصة، حتى تتمكن من مواصلة العمل والحفاظ على رواتب الموظفين السعوديين، وهو دعم بمليارات الريالات أسهم بفاعلية في منح تلك المؤسسات القدرة على البقاء، في حين تعاني نظيراتها في دول العالم الأخرى -بما فيها المتقدمة- من صعوبات مالية جمة اضطرتها إلى تسريح عشرات الملايين من العمال والموظفين، لترتفع معدلات البطالة إلى أرقام كبيرة.

اللافت في طريقة التعامل الحكومي مع الأزمة هو أن القيادة الرشيدة لم تكتف بمجرد تقديم الدعم المادي المباشر، أو إعفاء الكثير من الرسوم الإدارية وتأجيل تقديم إقرارات الضرائب والزكاة، بل أتبعت ذلك بإشراك القطاع الخاص في تحديد أهم الصعوبات التي تواجهه خلال الفترة المقبلة، وتخفيف الآثار المالية والاقتصادية المترتبة على الأزمة، وذلك بهدف استطلاع آراء رجال المال والأعمال ومعرفة أولوياتهم، لتحقيق سرعة عودة الحراك الاستثماري الاقتصادي بعد زوال الجائحة، ورصد كل معوقات وتحديات قطاع الإنتاج والتصدير، وذلك تقديرًا من الدولة لهذا القطاع الحيوي باعتباره القاطرة التي تقود الاقتصاد القومي.

سيتأثر اقتصادنا بدون شك لعوامل كثيرة، منها تداعيات فترة التوقف التي استلزمتها الإجراءات الصحية، واختصار ساعات وأوقات العمل وتقليل أعداد المتسوقين ومرتادي المراكز التجارية نتيجة لإجراءات التباعد الاجتماعي، والآثار السالبة المترتبة على عدم وضوح الرؤية حول مصير الفيروس والتضارب الكبير في مواعيد التوصل إلى لقاح كفيل باجتثاثه واستئصال شره، إضافة إلى المصاريف التي سوف تنتج بدون شك عن توفير مستلزمات الوقاية من قفازات وكمامات ومواد تعقيم.

لكن ما يبعث على الارتياح هو متانة الاقتصاد السعودي، والنهضة التي نشهدها في العهد الحالي، على هدي رؤية المملكة 2030 التي ركزت منذ البداية على تنويع مصادر الدخل وعدم الاعتماد على النفط كمصدر وحيد، وهو ما سيسهم في تحجيم تأثير كورونا على الإيرادات، حسبما أكد وزير المالية ووزير الاقتصاد والتخطيط المكلف، محمد الجدعان، وذلك بالاستفادة من نتائج الأداء والتحصيل المالي لأعمال الربع الأخير من العام الماضي.

ولأن المواقف تظهر المعادن كما يقولون، فإن الواجب الوطني يستلزم من رجال الأعمال النظر إلى الفترة الحالية على أنها مرحلة رد الدين لهذا الوطن ولقيادته الرشيدة التي لم تتأخر في مد يد العون لهم، فكما حققت مؤسسات القطاع الخاص الأرباح طيلة السنوات الماضية، فإنها مطالبة بمراعاة الظروف الراهنة، والإسهام بشكل أكبر في إسناد الاقتصاد الوطني، عبر الاستمرار في تبني سياسات توطين الوظائف، وإنزال مبادئ رؤية المملكة 2030 على أرض الواقع.

هناك أيضًا جانب المسؤولية الاجتماعية الذي اشتهر رجال الأعمال السعوديين بالقيام به، وفي ظل ما يعيشه العالم حاليًا فإن هناك ضرورة قصوى لتفعيل هذا الدور ومضاعفته، فالشرائح الأقل دخلا كانت بدون شك هي الأكثر تضررًا من فترة التوقف.. لذلك فإن المطلوب من الجمعيات الخيرية الالتفات إليها، ومنحها الأولوية في برامجها.. ففي ظل الظروف الاستثنائية تظهر الحاجة الماسة إلى تكاتف الجميع من أفراد ومؤسسات من أجل حماية المجتمع، وتحقيق الاستقرار له، والمحافظة على المكتسبات التي وصل إليها، فالأوطان تبنى بسواعد أبنائها، وهذا الوطن الذي نتشرف بالانتماء له يستحق منا التضحية في سبيله بكل ما نستطيع، وكما قال الشاعر فإن للأوطان في دم كل حر يد سلفت ودين مستحق.