الاعتكاف لعدَّة أيَّام من كلِّ عام؛ في شهر رمضان المباركً خاصَّة، سنَّة مؤكَّدة، كان حتَّى وقت ليس بالبعيد من مظاهر التقرب إلى الله، يقضيها المعتكفون في ركن من دور العبادة أو في غرفة من غرف بيوتهم عازلين أنفسهم عمَّن حولهم وعن متع الحياة الأسريَّة، يتفرَّغون لقراءة القرآن الكريم والدعاء والتأمُّل في خلق السموات والأرض، والتعمُّق في مفهوم مكارم الأخلاق التي بعث المولى عزَّ وجلَّ نبيَّنا عليه الصلاة والسلام لإتمامها.

مع تزايد وسائل التواصل الاجتماعي وما تشغله من أوقات غالبيّة الناس، أخذ عدد المعتكفين بالتناقص.. ويبدو أنَّ معظم جيل هذه الأيَّام لا يعرف إلَّا القليل عن حكمة الاعتكاف وفوائده الروحانيَّة والصحيَّة.

ولأنَّ دوام الحال من المحال، فقد تغيَّرت طرق حياتنا وعيشنا، وطغى حبُّ السلطة والمَّادة ليقيَّد سلوك الغالبيَّة، ويقسِّم المجتمعات إلى فرق وأحزاب متباعدة، والأفراد حسب ولاءاتهم الاجتماعيَّة السياسيَّة والاقتصاديَّة.. كلُّ هذا ومخلَّفات المصانع ومركبات النقل البريَّة والبحريَّة والجويَّة تنفث سمومها وغازاتها المدمرة للحياة، رافعةً درجات الحرارة حول كوكبنا الأرضي مهدِّدًا العديد من البلدان البحريَّة بالغرق نتيجة لذوبان الجبال الجليديَّة في قطبي الأرض الشمالي والجنوبي.

لقد شاءت إرادة الله دقَّ ناقوس الخطر لأخذ الحيطة والحذر من كوارث لا تبقي ولا تذر.. فأرسلت مع بدايات عام 2020 فيروس الكورونا ملزمًا كلَّ من على كوكب الأرض من بشر الاعتكاف داخل بيوتهم، ومقيِّدًا تحرُّكاتهم، ومغيِّرًا طرق تعاملهم وتسيير أعمالهم..

وحتَّى كتابة هذا المقال، ما يقارب من خمسة ملايين هم ضحاياها، وزهقت أرواح مئات الألوف من مختلف الجنسيَّات والأعمار، وما تزال هذه الجائحة تهاجم العالم بشراسة، والعلماء والأموال عاجزين عن وقف زحفها، وحفظ الحياة على كوكبنا الأرضي لنا وللأجيال القادمة.

يحدونا أمل، ونحن نتلو في سورة الإسراء في محكم كتابه: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، مصداقًا لحَديِثٍ شريفِ يُروَى عَن النبِّي صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَا أَنْزَلَ اللهُ دَاءُ إِلَّا جَعَل لَهُ شِفَاءً». ونضرع إلى الله الرحيم الرحمن أن يمنَّ على عباده بالعفو والمغفرة، ويتقبَّل اعتكافهم، حتَّى وهم مرغمون عليه للنجاة بأنفسهم.. فلربَّما من الشِّدة مع الرجاء يأتي الرخاء، والله جلَّ وعلا القائل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ الله﴾.. فَعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم.