تناولت الزميلةُ الدكتورة سمراء منصور سليمان، استشاريةُ الطب النفسي، مشكلة «الإرهاق الاجتماعي» التي رأيتُ من المناسب طرحها هنا، حيثُ أشارت الطبيبة النفسية إلى مُصطلحٍ جديد باسم «إجهاد زووم» للدلالة على فرط الإرهاق الذي يتسبب فيه التواصل عبر برنامج (زووم) لإجراء اللقاءات والاجتماعات بالصوت والصورة (خاصية الفيديو)، مما يُعتبر تحدّيًا إضافيًا للبقاء في دائرة التركيز الذهني، وبذل جهدٍ مُضاعفٍ لإظهار الاهتمام وعدم تشتت الانتباه في أوقات قد تكون غيـر ملائمة، إذ يبدو أنّ الانتقالَ من صورةٍ ثنائية البُعد إلى صورةٍ ثلاثية البُعد، يضعُ ضغطًا أشدّ على الذهن والسمع والعين عبـر بذل جهدٍ أكبر لاستيعاب الصّورة والحركة، وقراءة ملامح المتّصلين والرّد عليها مباشرةً بشكلٍ مناسب.

وتُشيـر الدكتورة سمراء إلى فترة الحظر المنزلي الاحترازي، وكيف ظهرت في أثنائها أعراض «الإرهاق الاجتماعي» لدى بعض الناس، على الرّغم من ندرة الخروج والتعامل المباشر الشخصي بين الأفراد، وهي مشكلةٌ تواجه على الأغلب أصحاب الشّخصية الانطوائية، التي تميل إلى الانعزال وقضاء أوقات يومية مع نفسها، وهم بذلك أكثر عرضة إلـى الإصابة به، نتيجة الارتباط بالعمل خارج المنزل، وارتباطهم مع العائلة والأطفال والأزواج، وحتى العمل داخل المنزل، وهو أمرٌ يصعب أحيانًا على الشّخص نفسه التعرّف عليه، كما يصعُب على المحيطيـن به تقديره والإقرار به.

وتقترح الطبيبة النفسية الدكتورة سليمان، ضرورة الاهتمام بالمساحة الشخصية، وتفهم الأشخاص المحيطيـن بأن الرغبة فـي الاعتزال والبقاء وحيدًا لوقتٍ طال أم قصر، لا يعني عدم محبة المخالطين من أفراد العائلة أو الزملاء، ولا يشير إلى مشاعر الكراهية الشخصية، لكنه ببساطة يعني أن هناك أشخاصا يحتاجون لفك الارتباط مؤقتا واللجوء للتأمل في هدوء تام، وإعادةِ شحن طاقاتهم النفسية بأنفسهم ومع أنفسهم، دون «مساعدة» من أحد، لافتةً إلى ضرورة مُراعاة حدود «السّقف الاجتماعي» الذي يختلف من شخص لآخر، تبعًا للقدرة على التواصل الاجتماعي بشتّى وسائله، وتشكُر في الوقت نفسه كلّ من يلتمسُ العذر لمن لا يردّ على مكالمات الهاتف النقّال، ورسائل الواتساب، أو يتجنّب حضور المناسبات الاجتماعية في أوقات كثيرة، فلعلّه يكون قد وصل إلى حدود سقفه الاجتماعي، دون ضررٍ ولا ضرار.

أختم باقتباسٍ منسوبٍ للكاتبِ الأديب (توفيق الحكيم): «العُزلة حاجةٌ في نفسِي مثلَما الخبزُ والماء والهواءُ حاجةٌ في جَسدي، ولابدّ لي من ساعاتٍ أعتزلُ فيها النّاس لأَهضم سَاعاتٍ صرفتُها فـي مُخالطتِهم وندمْتُ عليها».