يبدو أنَّ جانحة الكورونا التي اجتاحت العالم وعجزت المختبرات الطبيَّة عن لجمها، لم توقف التعصُّب العرقي عند العديد من المجتمعات الغربيَّة التي ترفع شعارات (العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص) بين أطياف مواطنيها كافَّة، ونصبَّت نفسها مدافعة عن حقوق الإنسان في شتَّى البلدان خارج حدودها.. فها نحن نشاهد من وقت لآخر في الغرب (المتحضِّر) تميزًا عرقيًّا يصل حدَّ القتل عمدًا بعد التعذيب والتشهير على أيدي رجال الأمن ذوي البشرة البيضاء ضدَّ مواطنيهم الملوَّنين، وآخرها جريمة قتل مواطن أمريكيّ خنقًا ارتكبها شرطيٌّ أمريكيٌّ أبيض في البلد الذي نصَّب نفسه بنفسه مدافعًا عن حقوق الإنسان، ومشهِّرًا بالمجتمعات الإسلاميَّة بذريعة عدم انتهاجها لوائح حقوق الإنسان التي صاغها خبراء من المنظَّمات والمحافل الدولية.. لكنَّهم متناسين إمَّا تجاهلًا أَو جهلًا أنَّ عقيدتنا الإسلامية، وما جاء في قرآننا وفي هدي رسولنا الكريم من توصيات وقواعد وأحكام من أجل قيام مجتمع متضامنة أطيافه قد سبق عمل كلَّ تلك اللجان.

ففي خطبة الوداع لنبيِّنا الكريم عليه الصلاة والسلام أرسى القواعد الرئيسية لمكارم الإنسان ملغياً العنصرية ومعطياً المرأة حقوقها في قوله صلى الله عليه وسلم: أيُّها الناس إنَّ دماءكم وأعراضكم حرام عليكم - إلى أن تلقوا ربَّكم - كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا.. إنَّ لنسائكم عليكم حقًّا، ولكم عليهنَّ حقٌّ.. لكم ألَّا يواطئن فرشهنَّ غيركم، ولا يدخلنَّ أحدًا تكرهونه بيوتكم إلَّا بإذنكم، ولا يأتين بفاحشة.. فإن فعلن، فإنَّ الله قد أذن لكم أن تعضلوهنَّ وتهجروهنَّ في المضاجع، وتضربوهن ضربًاً غير مبرح.. فإن انتهين وأطعنكم، فعليكم رزقهنَّ وكسوتهنَّ بالمعروف.. واستوصوا بالنساء خيرًاً، فإنهنَّ عندكم عوانٌ لا يملكن لأنفسهنَّ شيئًا.. وإنَّكم إنَّما أخذتموهنَّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهنَّ بكلمة الله، فاتَّقوا الله في النساء، واستوصوا بهنَّ خيرًا.

أيُّها الناس، إنَّما المؤمنون إخوة.. ولا يحلُّ لامرئ مالٌ لأخيه إلَّا عن طيب نفس منه.. فلا ترجعن بعدي كفَّارًا يضرب بعضكم رقابَ بعض.. فإنِّي قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلُّوا بعدهُ؛ كتابَ الله وسنَّةَ نبيِّه.

أيُّها الناس، إنَّ ربَّكم واحد، وإنَّ أباكم واحدٌ.. كلُّكم لآدم، وآدمُ من تراب.. إِنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم.. وليس لعربيٍّ على عجميٍّ فضلٌ إلَّا بالتقوى.. أيُّها الناس، إنَّ الله قد قسَّم لكلّ وارث نصيبه من الميراث، ولا يجوز لوارث وصيَّة، ولا يجوز وصيَّة في أكثر من ثُلُثٍ.. والولد للفراش، وللعاهر الحجر.. من ادَّعى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.. كُلُ ذلك في قوله تعالى في سورة الحجرات: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى، وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).

بهذه التوجيهات الإنسانيَّة انتشر الإسلام بين الأمم والشعوب من مشارق الأرض إلى مغاربها، وأقام دول العدل والحريَّة وتكافؤ الفرص من قبل أربعة عشر قرنًا.. فما الجديد في الأمر كما يدَّعي من بأيدهم اليوم أمر البلاد والعباد، وهم لا يحكمون بشريعة الله التي كرَّمت بني آدم، وما لم يتم الأخذ بشريعة الله ستظل المجتمعات تعاني من ظلم الناس بعضهم بعضًا.