المقصود هنا هو تحويل الأشياء والتقنيات للاستخدام العسكري.. وقد تم تطويع العديد من التقنيات للاستخدامات العسكرية عبر التاريخ ومنها الكيمياء، والطيران، واستكشاف الفضاء، والتصوير.. ومقال اليوم عن عسكرة الجراثيم... أي تطويعهم للحرب بأشكالها المختلفة.. والملاحظ أن الحرب البيولوجية لم تحظَ على النجاح الكبير المتوقع بدهيا، بالرغم أن الموضوع يبدو وكأنه سهل، ويشمل الخطوات التالية: البحث عن المرضى.. ثم جمّع الجراثيم من افرازاتهم.. ثم نشر تلك الافرازات. ولكن الحرب البيولوجية ليست بالسهولة التي قد يتخيلها البشر. هناك أمثلة كثيرة على الفشل في نشر الأمراض خلال الحروب: منها استخدام جثث ضحايا الأمراض المعدية المختلفة كقذائف. ومن الأمثلة المهمة نجد حصار المدن مثل القدس الشريف عندما كانت القوات الصليبية خلال حملاتها المختلفة بدءًا من 1099م. وننتقل الى مطلع القرن العشرين لفترة الحرب العالمية الأولى حيث نشطت محاولات الحرب البيولوجية بدون جدوى. تم وضع عبوات جراثيم بداخل قذائف المدافع العملاقة. ولكن بسبب التغيرات البيئية بداخل القذيفة، لم تكن لتلك الخلطات البيولوجية الجدوى المتوقعة... يعني بالعامية كانت «فاشوش». وفي الحرب العالمية الثانية أيضًا كانت هناك آلاف المحاولات بدون مردود. ومنها تجارب الحرب البيولوجية اليابانية ضد الصين. واستمرت المحاولات الفاشلة عبر ميادين الصراعات العسكرية المختلفة الى نهاية الحرب وما بعد ذلك. ولكن الفشل لم يقتصر على العمليات العسكرية فحسب، فطال الساحة الدبلوماسية أيضًا.. وتحديدًا فقد وقعت مجموعة من الدول الكبرى (أمريكا، والاتحاد السوفيتي، وبريطانيا، وفرنسا) معاهدات دولية بدأت ببرتوكول جنيف عام 1925 لحظر الأسلحة البيولوجية ثم تبعتها معاهدة 1972 وتبعاتها لحظر، وإنتاج، وتخزين، واستخدام الأسلحة البيولوجية. وبالرغم من الكلمات الواعظة، والجمل الواضحة، والوفود الرسمية، والسيارات السوداء الفاخرة، والبدل الأنيقة، كانت المعاهدات عبارة عن حبر على ورق. والدليل على ذلك أن بعد التوقيع عليها، وبعدما أصبحت نافذة عام 1975 قام الاتحاد السوفييتي بتكوين منظومة حرب بيولوجية عملاقة تحتوى على عشرات المعامل وآلاف العلماء لتصنيع كوابيس الجراثيم، وأبرزها المسببة للطاعون، والجدري، والحصبة، وشلل الأطفال.. تم تخزينها، وتحميلها على الصواريخ الباليستية.. وبعد انكشاف منظومة الاتحاد السوفييتي المخيفة لتكوين صناعة متكاملة للحرب البيولوجية، وبعد سقوط ذلك النظام، لم تختفي المخاطر. بعد 11 سبتمبر 2001 انتشرت حالة ذعر في أمريكا بسبب ارساليات عبوات بريدية محتوية على جراثيم مرض «الجمرة الخبيثة». ولم تكن لها الآثار المتوقعة بيولوجيًا، ولكنها أثارت حالة خوف شديدة.

أمنية

هناك مقولة أن الحرب العالمية الأولى كانت حرب «الكيمياء» لأنها استخدمت الغازات السامة للقتل والدمار، وأن الحرب العالمية الثانية كانت حرب «الفيزياء» بسبب استخدام القنبلتين الذريتين، وأن الحرب العالمية الثالثة ستكون حرب «البيولوجيا» بسبب استخدام الجراثيم.. والخوف هنا أن هناك تقنيات جديدة في عالم الهندسة الوراثية ستضع «تفصيل» الجراثيم في متناول كل من «هب ودب».. أتمنى أن نستعد لمواجهة هذه المخاطر الكبرى بتوفيق الله، وهو من وراء القصد.

@tfadaak