يتّفق العُقلاء على أنّ الفقرَ من أكبر المصائبِ الإنسانيةِ التي تُصيب المُجتمعات والأفراد، ويرتبطُ بتداعياتٍ مَرضية عُضوية ومُضاعفاتٍ نفسيةٍ سلوكيةٍ أخلاقية، نتيجة نقصٍ مُريع في الخِدْمات الإنسانية الأساسيةِ التي تُحافظ على كينونة وكرامةِ الإنسان، من غذاءٍ وسكَن وصحةٍ وتعليم، مما ينعكسُ تلقائيًا على مستوى حُرّيته الشّخصية والفكرية.

ونتيجةَ الفقر، يُحبَس الإنسان في حلْقة مُفرغةٍ من البؤس والحاجة، ويفشلُ في الحصول على المستويات الدُّنيا من الدّخل، ليس في دولٍ منخفضةٍ اقتصاديًا فحسْب، بل فـي دولٍ توصَف بأنـّها من العالم المُتقدّم، كالولايات المتحدّة الأمريكية، التي ترتفع لديها نسبةُ الفقر إلى نحو (13%) من السُّكان. وفـي هذا السياق، تُظهر دراسةٌ أمريكيةٌ حديثة (2019) أنّ الفقر ونقصَ التّعليم والبطالة والأمراضَ العقلية، تُعدُّ أسبابًا مُستقلة ورئيسة لإدمان تدخين السّجائر، بـما يجرّه من أمراض مُزمنة قاتلة.

واجتماعيًا، فإنّ الحالةَ الاقتصادية ومدى الرّفاهيةِ المادية مؤثُّر أساسٌ فـي أخلاقِ وسلوكيات الشُّعوب، ولا يكونُ إصلاحُها -أي الأخلاق والسلوك- بدروسِ وخطبِ الوعظ والإرشاد والمثاليات كما يظنُّ بعضُ الجهلاء والمُؤَدلـَجين، بل بالقدوة الحسنةِ وتحسيـنِ التعليم والظروفِ المعيشيةِ، ومكافحةِ الفقر والفسادِ والظلمِ الاجتماعي، لذلك فإنّ محاولةَ تمريرِ الفقر على أنه «فضيلة»، من أقبحِ ما يلجأُ إليه بعضُهم لتبريرِ الظُّلم الطّبقي والفسادِ الاجتماعي. يقولُ الشيخ (محمّد الغزالي): «الفقرُ فضيلةٌ سخيفة، لا يدعو إليها إلا رجلٌ سخيف»، ويقول (توماس بين): «إنّ الفقر يتحدّى كلّ فضيلةٍ وسلام، لأنّه يورِثُ صاحبَه درجةً من الانحطاطِ والتذمّر تكتسحُ أمامَها كلّ شيء، ولا يبقى قائمًا غير هذا المبدأ: كُن، أو لا تكُن»، وتظهر نتائجه الفجّة في ازدياد البطالة، والسّرقات، والرّشوة، وتناولِ المُخدّرات، والدّعارة، والمُشكلاتِ العائلية كالطلاق، والاكتئابِ والانتحار.

وقد استعاذ النبـيُّ صلّى الله عليه وسلّم من رذيلةِ الفقر فـي دعائه: (اللّهُمَّ إنّـِي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ، وَالْقِلَّةِ، وَالذِّلَّةِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَظْلِمَ أو أُظْلَمَ) .. (أخرجه أبو داود والنسائي وصحّحه الألبانـي). وأختمُ بقولٍ بليغ للشيخ (محمد الغزالي) رحمهُ الله تعالـى في كتابه (الإسلام المُفتـرى عليه): «كلُّ دعوةٍ تُحبّب الفقر إلى النّاس، أو ترضّيهم بالدُّون من المَعيشة، أو تُقنعهم بالهون في الحياة، أو تصبّرهم على قَبول البخس والرّضا بالدّنيّة، فهى دعوةٌ فاجرةٌ يُرادُ بها التمكينُ للظُّلم الاجتماعي، وإرهاقُ الجماهيـرِ الكادحةِ فـي خدمةِ فردٍ أو أفراد، وهي قبل ذلك كلّهِ، كذِبٌ على الإسلام، وافتراءٌ على الله».