المقصود هنا هو الخلطة الناتجة عن الاجتهاد بدلا من اليقين.. ونجدها في أغرب الأماكن ومنها في عالم الأسلحة وبالذات في صناعة السيوف الدمشقية التي كان يضرب بها المثل لقوتها ووزنها وحدتها.. وكان تصنيعها من الأسرار التي انفردت بها الحضارة الإسلامية انطلاقًا من دمشق الغالية في القرن الثالث الميلادي.. والغالب أن أثناء تصنيعها، كانت تضاف بعض الإضافات وبالذات النباتات بنسب ضئيلة لتنتج نسبة من الكربون فتمنحه القوة والليونة التي تميز بهما.. وكانت تلك السيوف تشتهر بحدتها لدرجة أنها تستطيع قطع شعرة ساقطة على نصلها.. ولا تزال إلى يومنا تبهر العالم بجمالها وخصائصها المعدنية الفريدة.. ونجد أيضًا السيوف اليابانية التاريخية «كاتانا» المشهورة بقوتها، ووزنها، ولمعانها، وحدتها، وليونتها.. ومن الصعب الجمع بين هذه الخصائص التي حيرت العلماء وخصوصًا أن أسرارها اندثرت مع زوال ممارسي فنون تصنيعها منذ أكثر من ألف عام.. ومع مرور الزمن، وجد بعض علماء الكيمياء أن أحد الأسرار كان يكمن في «تحبيشة» تشمل إضافة عنصر «المولبدينوم» للحديد أثناء الصهر والتشكيل.. ويتميز هذا العنصر بمشيئة الله بمنح قوة إضافية هائلة للحديد ليجعله نحيفًا وحادًا جدًا.. ولم تكن هناك معادلة مدونة أو توليفة علمية محددة، فكانت من خلال اجتهادات الحرفيين الذين أتقنوا الخلطة وجعلوها من أسرار المهنة.. واستمرت «تحبيشات» عبر التاريخ، ففي تقنية صناعة الحديد خلال الحرب العالمية الأولى صنعت ألمانيا المدافع العملاقة من طراز «بيج بيرثا» التي كان وزن قذيفتها يفوق وزن «التويوتا كورولا» والتي كان يصل مداها الى أكثر من ثمانين كيلومتر.. وكانت المدافع تتعطل بسبب انصهار فوهتها بسبب شدة الحرارة، إلى أن تم إضافة تحبيشة «الموليبدينوم» لتهذيب ذرات الحديد.. وبعدها اكتشف العلماء بالصدفة سر إضافة عنصر «التنجسن» الى الحديد الصلب ليمنحه المزيد من القوة الجبارة ليخترق الدروع ويقاوم الحرارة المرتفعة التي تتعرض لها القذائف بداخل المدافع.

وبعيدًا عن كل هذا نجد بعض من أغرب التحبيشات اليوم في عالم آخر وهو عالم الفيروسات فهي تتقن التحبيشات في تغيير شيفرتها الوراثية: عندما انتشر وباء انفلونزا الخنازير عام 2009 لم يكن قاتلا، ولكنه انتشر بسرعة عالية.. وكان انتشاره سريعًا لدرجة أن توقعات الإصابات وصلت إلى ربع سكان كوكبنا.. وبعدها جاء انفلونزا الطيور عام 2013 فلم يكن سريع الانتشار ولكنه كان قاتلا.. يقتل 60% من المصابين مقارنة بحوالى 1% فقط من المصابين بأنفلونزا الخنازير.

أمنية

أتمنى أن ندرك أن الفيروسات هي من أكثر المخلوقات الحاذقة في التحبيشات المتعلقة بالتكاثر.. تتغير من هنا وهناك في كتابة وترتيب شيفرتها لتضمن بقاءها بداخل خلايا ضحاياها.. واليوم نرى الدليل في ما يعاني منه العالم من فيروس الكورونا الجديد بطرق لا يعلمها إلا الله عز وجل.

وهو من وراء القصد.