أهداف التنمية المستدامة (Sustainable Development Goals) (SDG) التي تعتمدها الأمم المتحدة منذ 2015م لإنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030، تشتمل على (17) بنداً يجب العمل عليها معاً لتحقيق التنمية المُستدامة التي تفي باحتياجات الحاضر وفي نفس الوقت لا تستنزف الموارد وتضمن حقوق الأجيال القادمة لتستطيع الوفاء باحتياجاتها.

يركّز الهدف الرابع منها على: «ضمان التعليم الجيّد المُنصف والشامل للجميع وتعزيز فرص التعلّم مدى الحياة للجميع».

ورغم أهمية جميع مجالات التنمية المستدامة، إلا أن للتعليم الدور الحاسم ويبرز ذلك بجلاء عند استقراء حضارات الأمم ونهضات الشعوب والدول قديماً وحديثاً.

العلم يبني بيوتاً لا عماد لها... والجهل يهدم بيت العز والكرم

العلم أعلى من المال منزلةً... لأنه حافظُ والمال محفوظٌ

عندما نعلّم فرداً، فإننا نزرع بذرةً لعائلة متعلّمة يخرج منها الطبيب والمهندس والمعلّم ورائد الأعمال.

«التعليم هو أقوى سلاح يمكنك استخدامه لتغيير العالم» مانديلا.

«التعليم هو جواز السفر للمستقبل، فإن الغد ينتمي لأولئك الذين يعدون له اليوم».

«الزراعة تسد الجوع، والصناعة توفر الاحتياجات، لكن التعليم يزرع ويصنع وطناً».

الحديث هُنا عن التعليم بمفهومه الواسع الذي يشمل اكتساب المعارف وتهذيب السلوك وتنمية المهارات الشخصية والتأهيل المهني.

«طلبت الأدب ثلاثين سنةً، وطلبت العلم عشرين سنةً» الإمام عبدالله بن المبارك رحمه الله.

يسمو التعليم عندما يقترن بالأخلاق مما يوجّه التطوّر نحو الخير العام و»المُستدام».. وللخيرية المتأصلة في الدين الإسلامي برعت حضارتنا الإسلامية من حيث «الاستدامة» في مجالات مختلفة، منتجةً أنظمة إدارية وأنظمة حقوق وتقاضي ودواوين الإدارة والمحاسبة العامة وحفظ المال العام، وحتى أنظمة الري المُبتكرة. وذلك لأن نجاح الفرد في ديننا لا يقتصر على حياته الدنيا فقط، بل يُقاس بصلاح دنياه وآخرته.. وبالتالي يحرص المؤمن في امتداد أثره النافع بما يتجاوز حدوده الشخصية (الجسدية، الزمانية، المكانية، المجتمعية) ليُسهم في نفع العالمين حاضراً ومستقبلاً.

وبمفهومنا الحديث للتمكين (Empowerment) والتدريب (Training) والإرشاد (Counseling) نستذكر إرشاد المصطفى صلى الله عليه وسلم (متضمناً تأهيلاً مهنياً) لمن جاءه يسأله مالاً لسد حاجته، حيث وجهه عليه الصلاة والسلام خطوة بخطوة، فباع ذلك الرجل بعضاً مما في منزله وأشترى ما يحتطب به... ثم أمره أن يحتطب ولا يرجع إليه عليه السلام مرة أخرى إلا بعد 15 يومًا... وبالنتيجة حظي الرجل بدورة تأهيل مهني (ويالحظه بذلك المُعَلِم). اللهم صل وسلم وبارك على مُعلّم الناس الخير.

لقد نجحت سنغافورة في بناء نهضتها الحديثة عندما ركّزت على: «تنمية المورد الطبيعي الوحيد الذي تمتلكه سنغافورة، وهو شعبها» حسب تعبير مؤسسها لي كوان يو. ومعلومٌ مدى تميّز نظام التعليم في سنغافورة من حيث الجودة وكفاءة إعداد الطلاب، حيث تتصدر سنغافورة العديد من أنظمة تصنيف التعليم الدولية ومنها تصنيف منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD).

ختاماً، في ظل التوجه المتزايد نحو التعليم الإلكتروني بعد جائحة كورونا، فإن الأمر يستدعي البحث عن وسائل فعّالة لتعزيز وتهذيب السلوك وتنمية المهارات الشخصية في بيئة التعليم عن بُعد التي تختلف عن بيئة التعليم التقليدية من حيث التواصل البشري المباشر بين الُمعلّم والمُتعلِم.

* رئيس برنامج الملك عبدالله بن عبدالعزيز (KAAP) بالبنك الإسلامي للتنمية