كما توقعت في مقال سابق بهذه الصحيفة الغراء، تشهد السياحة الداخلية انتعاشًا ملحوظًا هذه الأيام، بدأ بمجرد رفع الحظر الذي استلزمته الظروف الخاصة بتطويق انتشار وباء كورونا (كوفيد - 19)، ولم تكد السلطات المسؤولة تعلن انتهاء الحظر وعودة الحياة لطبيعتها حتى ارتفعت نسبة الحجوزات في مؤسسات الإيواء السياحي من فنادق وشقق مفروشة، وبدأت المدن المعروفة بأنها من وجهات الإقبال السياحي مثل جدة وأبها والرياض والطائف تشهد إقبالا كبيرًا من المصطافين، فازدحمت شوارعها بالقادمين من خارجها، وعادت الحياة إلى أسواقها ومنتزهاتها.

بدءًا لابد من التنبيه إلى ما ظلت الأجهزة المختصة تكرره خلال الأيام الماضية، بضرورة مراعاة وسائل السلامة والإجراءات الاحترازية التي تضمن عدم انتشار المرض، مثل الحرص على ترك مسافات كافية مع الغير، والالتزام بارتداء الكمامات والقفازات، والاهتمام بتنظيف اليدين بالمعقمات بصورة مستمرة، إضافة للابتعاد عن أماكن التجمعات والاكتظاظ، لضمان إنجاح الجهود التي تقودها الدولة لهزيمة الوباء.

هذا الإقبال الكبير على السياحة الداخلية، وإن كانت قد فرضته ظروف قاهرة تتمثل في عدم القدرة على السفر إلى الدول التي اعتاد الكثيرون الذهاب إليها في نفس هذا الوقت من كل عام، إلا أنه يمثل بشرى سارة للاقتصاد الوطني، لاسيما إذا علمنا أن مقدار ما ينفقه السعوديون على السياحة الخارجية يصل إلى عشرات المليارات من الريالات سنويًا، وهذه الأموال الضخمة يمكن أن يستفاد منها في إنعاش الأسواق الداخلية وتعزيز القدرة الشرائية بما يسهم في إيجاد فرص وظيفية تمثل حلا لمشكلة البطالة وسط الشباب.

وفي ظل حالة التدهور الأمني في العديد من الدول التي كانت وجهات مفضلة للسعوديين، مثل سوريا ولبنان والعراق وتركيا، فإن الحل الأمثل يبقى في قضاء الإجازة في الداخل، خصوصًا أن المملكة تصنّف ضمن أكثر الوجهات الآمنة للسفر والسياحة، حسب تأكيدات المجلس العالمي للسفر، بسبب حالة الاستقرار الأمني فيها ولله الحمد ، مما يجنّب السياح السعوديين العديد من المخاطر التي تعرضوا لها خلال السنوات الماضية، والتي كانت سببًا في فقدان أرواح الكثيرين.

الأرباح التي ستجنيها المؤسسات السياحية من فنادق ومطاعم ودور ترفيه ينبغي أن يستغل جزء كبير منها في تطويرها وترقية أدائها، بما يقنع السائح السعودي بالعودة لها في العام المقبل، وهو ما ينبغي على أصحاب تلك المؤسسات الانتباه له، والاستفادة منه في تغيير الصورة الذهنية السالبة عن السياحة الداخلية، والتي تسيطر على أذهان الكثيرين للأسف.. فبلادنا ولله الحمد تمتاز بمساحاتها المترامية التي تجعلها أشبه بالقارة، وفيها أنواع ثرية من الأنماط البيئية، ما بين صحارى ذهبية وسواحل خلابة وجبال شاهقة ومصايف معتدلة الأجواء، إضافة إلى مناطقها الدينية التي اختصها بها الله تعالى، وما تتمتع به من آثار فريدة قل أن يوجد مثلها في دولة أخرى من دول العالم.

إضافة إلى كل ما سبق فإن التوجه الواضح للدولة للاهتمام بالقطاع السياحي، والمشاريع الضخمة التي يجري العمل فيها بصورة منتظمة، مثل مدينة القدية الترفيهية، ومدن أمالا ونيوم، والاهتمام الذي تلقاه مدن الدرعية والعلا، في ظل الجهود المتميزة التي تبذلها الهيئة العليا للترفيه، والتي كان لها أكبر الأثر في لفت انتباه العالم للإمكانيات الضخمة التي تتوفر للمملكة في هذا الجانب، والذي يؤهلها لتكون وجهة سياحية عالمية بامتياز. وكل هذا يشير إلى أن المستقبل للسياحة الداخلية، ولن تكون الفوائد المتحققة من هذه الجهود حكرًا على قطاع دون غيره، بل إن فوائدها سوف تشمل بإذن الله جميع المستثمرين في هذا المجال.

يبقى هناك جانب في غاية الأهمية لابد من أخذه في الاعتبار حتى لا تضيع هذه الفرصة الذهبية، وهو ضرورة اهتمام إدارات المنتجعات السياحية والفنادق بالتعقيم ووسائل السلامة، حتى لا تكون سببًا في تفاقم المرض وزيادة الإصابات.. كما لابد من إعداد برامج ترفيهية جاذبة تستطيع أن تقنع جميع فئات الأسرة السعودية في المستقبل وتدفعهم إلى اتخاذ القرار الصائب بقضاء الإجازة في الداخل، فالسياحة لم تعد مجرد مرافق سكنية ومناظر طبيعية، بل أصبحت صناعة متكاملة تعتمد في الأساس على إبداع العنصر البشري، فلابد من وجود برامج شيقة وغير تقليدية، تراعي تطور المفاهيم والانفتاح الذي بات سمة ملازمة للعالم المعاصر، فالعديد من الفعاليات الثقافية لازالت منذ سنين عديدة تكرر تقديم فقراتها الترفيهية التي فقدت بريقها ولم تعد قادرة على جذب انتباه أحد، فالعالم يتغير بسرعة مذهلة، وما كان بالأمس يضحكنا ويشد انتباهنا ليس بالضرورة أن يكون كذلك مع أبنائنا وأحفادنا.