جَلَسْتُ أتأمّل توقّف الناس عن إقامة مجالس عزاء موتاهم في زمن كورونا الصعيب، وفوائد هذا التوقّف غير فائدة الوقاية من الإصابة بكورونا جرّاء التلاصق الاجتماعي، فوجدْتُ الفوائد كثيرة، للموتى من جهة، ولذويهم من جهة أخرى!.

وهذا يجعلني أتمنّى استمرار التوقّف حتّى بعد نهاية كورونا بمشيئة الله، وعودة العزاء كما كان في عصر صدر الإسلام، نقياً من الشوائب، وخالياً من الابتداعات والمُحْدَثَات، على شكل تعزية فردية يُقدّمها الرجال لذوي الموتى في المقبرة التي دُفِنُوا فيها، أو بعد الصلاة في المساجد التي يُصلّي فيها ذوو الموتى، أمّا للنساء فيزُرْن أهل الموتى زيارة خفيفة، أو يبعثُ بعضُهنّ طعاماً منزلياً لهم، إحياءً لسُنّة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، حين قال بعد استشهاد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه في معركة مؤتة: «اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يُشْغِلُهم»، والنّاس يُذهَلُون ويُشغلُون بموت الأحبّة والأعِزّة!.

ومن فوائد إيقاف مجالس العزاء: إلغاء مظاهر الإسراف وإهدار الأموال، فلا تُصرف آلاف الريالات على عمل سُرادقات مؤقّتة بما فيها من أثاث وطعام وشراب، ولو تُصُدِّقَ بتكلفتها عن الموتى لكان خيراً لهم، والصدقة هي ممّا يحتاجه الموتى، ولا يحتاجون لمجالس وصفوف بشرية يغتاب فيها من يغتاب، ويَنُمُّ فيها من يَنُمُّ، ويعقد فيها الصفقات التجارية مَنْ يَعقد، ويأكل فيها الذبائح والمُفطّحات من يأكل، وغير ذلك من المظاهر السلبية التي تُرصد عادةً في مجالس العزاء!.

وهناك فائدة أخبرني بها صاحبي الشريف عبدالله جُنيْد، بعد وفاة والدته الشريفة مريم بنت سلطان الحسيني ـ يرحمها الله ـ إذ لاحظ أنّ دعاء المُعَزِّين يتنوّع ويشمل خيراً أكثر عندما تكون التعزية فردية، سواءً باللقاء المباشر في المقبرة أو المسجد، أو عبر المكالمات الهاتفية، أو ضمن وسائل التواصل الاجتماعي، عكس ما يُقال في سِرا وصفوف المجالس مشوباً بالسرعة وحصر القول في عبارات مُحدّدة قد لا تخرج عن «عظّم الله أجركم» وكفى!.

حسناً، ماذا بقي من المقال لِيُقال؟ أنا أقول، ورزقي على الله: شكراً كورونا، لقد أتَحْتَ لنا الفرصة لنُعيد العزاء الشرعي والأفضل للناس، إراحةً لذوي الموتى وجموع المُعزِّين، وعسى أن تدوم هذه العودة في مجتمعنا، فلا نرى ولا نسمع إلّا ما يُرْضي ربّنا، الذي أسأله بعزّه الذي لا يُرام، وبمُلْكِه الذي لا يُضام، أن يرحم الميّت، ويشفي المريض، ويُفرّج عن المهموم، وينصر الوطن والدين على العدوّ المُبين!.