قد يبدو العنوان لأول وهلة أنه بمعنى «الأوتوبيسات»... من حافلات النقل الجماعي نزولاً إلى الأنيسة العاملة على خط البلدة.. وبصراحة موضوعنا فوق ذلك.. وقد يبدو أن له علاقة بالباص الجوي أي طائرات «الأيرباص» الأوروبية وهي الأكثر وجودًا في أجواء المملكة اليوم.. ولكن موضوعنا فوق ذلك بكثير.. الباصات المعنية في هذا المقال هي الأقمار الصناعية بأشكالها، وأحجامها، ووظائفها المختلفة... والاسم العلمي للقمر الصناعي هو «الباص».. ويتعلق بهيكل ومكونات القمر الصناعي ماعدا الحمولة التي يجوب بها في الفضاء الخارجي.. وللعلم فتعريف الفضاء الخارجي هو الارتفاع بدءًا من مائة كيلومتر عن سطح الأرض.. وتصميم وتصنيع هذه المركبات يمثل إحدى أعلى درجات الذكاء والتدبير.. فضلاً تأمل في التحديات المهولة: يجب أن يكون قويًا في هيكله، ولكنه لابد أن يكون خفيفًا... ويجب أن يقاوم البرودة الشديدة في الفضاء الخارجي التي تصل إلى مئات الدرجات تحت الصفر في الظل، ويقاوم أيضًا الحرارة الشديدة التي تفوق درجة غليان الماء.. ويجب أن يقاوم «هزهزة» التسارع الهائل على متن الصاروخ الذي سيصعد به إلى الفضاء، وأن يتحمل «رجرجة» الانفصال عنه ليتم تجليسه في مساره حول الكرة الأرضية.. ويجب أن يحتوى على منظومة لإدارة الطاقة وغالبًا ما تكون مزيجًا من الطاقة الشمسية، ومن الطاقة الكيميائية من الوقود السائل على متنه.. ويحتوى أيضًا «الباص» على منظومة التحكم في ثبات مساره، وثبات حركته، وتوجيهه مهما تعددت استخداماته.

تاريخ هذه الصناعة يعود إلى مطلع الخمسينات الميلادية من القرن الماضي.. وتبلور نجاحه عام 1957 عندما أطلق الاتحاد السوفيتي أول قمر واسمه «سبوتنك» ومعناها «الرفيق الصغير» بالروسية فأربك العالم بأكمله.. ومنذ ذلك الحين تم إطلاق حوالى 8900 قمر ويوجد حوالى خمسة آلاف منها تدور حول الأرض ومعظمها عبارة عن «كراكيب» فضائية... حوالى 1900 فقط تعمل لإنجاز مهام الاتصالات، والملاحة، والتصوير المدني والعسكري، والرصد الفلكي والأبحاث العلمية، والاستطلاع والمراقبة، ورصد الطقس، والتنبؤ بالكوارث، وغيرها من المهام.. ومعظم الباصات الفضائية تم إطلاقها من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي سابقًا.. وخلال السنوات العشرين الأخيرة، دخلت مجموعة كبيرة من الدول هذا النادي الحصري وأصبحت العديد من الدول تعتز بحمل شعار «احنا بتوع الأوتوبيس»، علمًا بأن الصواريخ التي ترفع تلك الباصات إلى مدارها لا تزال معظمها من الولايات المتحدة، وروسيا، وأوربا، والصين، والهند.

طيب وماذا استفدنا من كل هذا؟ وطننا هو الرائد عربيًا في مجال الأقمار الصناعية فلدينا 15 قمرًا صناعيًا أطلقت خلال الأربعين سنة الماضية وبعضها مصنع بأيدي سعودية في مركز أبحاث الفضاء في مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية في بيئة نقية معقمة وتحت ضوابط هندسية تستحق وقفة فخر من كل مواطن.

أمنية

أتمنى أن تتذكر أنك في كل مرة ترسل موقعك على جوالك، وفي كل مرة تقلب المحطات الفضائية على التلفاز، وفي العديد من التقنيات التي تستخدمها اليوم وكل يوم في الاتصالات والملاحة والترفيه تطوع خدمات الأقمار الصناعية التي تحوم حول كوكبنا على ارتفاعات تبدأ من 400 كلم إلى حوالى 36 ألف كلم.. وكل هذه النعم الرائعة بفضل نعمة الله من خلال تسخير تقنيات تلك الباصات..

وهو من وراء القصد.