أزعم أن أكثر الناس صرامة هم عمال محطات الوقود، يتعاطون معك حتى بالهلل وبوجه جامد.. ما تطلبه سيارتك وتحدده رغبتك هو ما تنطلق به أيديهم نحو المضخات.. لا يهمهم نوع المركبة، ولا وضعك الاجتماعي، لا يلتفتون سوى لنسمة الهواء الخارجة من نافذة سيارةٍ قادمة إليهم يتمنّون لو طال وقوفها!

ماذا لو احتجت يومًا للتزود بالوقود؟!

هذه المرة وقودك ليس في المحطة المجاورة ولا التي تليها، ومُركّباتُه عليك أن تجمعها من أكثر من مصدر ولا تعرف الثمن؟!

ولأن وقود الإنسان هو عمره؛ إلا أنه وقود صعب، مصادر تغذيته شحيحة، وخليطه بالطبع ليس متوفرًا في كل محطة!

هناك محطات رخيصة، تقف عندها «الأعمار» بالطوابير ولأشهر أو سنوات، قد تصدأ فيها مركبتك قبل أن تتزود لمشوارك القادم، وربما زهدت في مشوار الحياة!

«لمبة البنزين» لو اشتعلت في دماغك لحظة؟!.. هذه المرة لن تحدد أنت ولا نقودك ولا مزاجك مقدار الوقود.. عمال المحطة سيفحصونك ويقررون تزويدك، أو وضعك على قائمة الانتظار.. أو أنه لا وقود.. حتى بأغلى الأثمان!.. لا يهمّهم مشوارك القادم إلى أين؟ ومدى استعجالك.. عليك فقط أن تنتظر في هذه المحطة.

ستترحم على أيام الهلل الصارمة، وستعرف أن تلك الوجوه الجامدة والعابسة هي ألطف الكائنات أمام ما ينتظرك من وجوه ظاهرها الرحمة، وباطنها البرود، وعمليات ومراحل لمجرد التزود بقليل من الوقود يُخرجك على الأقل من هذه المحطة!

- «يا صديق عبي full

» ليس لها محل من الإعراب هنا.. تبخرت هذه العبارة وذكرياتها الحلوة والمرة.. كما هي أعمار كثير من الناس.

- انتبه: (الأعمار.. سريعة الاشتعال)!

كنا في الطفولة نسمع ونشاهد سيارات تمشي «عالريحة» من قِلّة الوقود وبركته، فما أكثر البشر الذين يمشون ويعيشون «عالريحة» وسلِّم لي على البركة!

** محظوظٌ من اشتعلت عنده لمبة البنزين! بعض ما يدبّ على الأرض من جماد وأحياء يصمتُ وينطفئ فجأة!